العلاقات الأميركية التركية أسوأ مما تبدو عليه

التاريخ والوقت : الأربعاء, 19 سبتمبر 2018

 

تحليل/ سليم سازاك

بالرغم من أن علاقات تركيا بحلف بشمال الأطلنطي بدت نموذجية، فإن تلك العلاقة آخذة في التغير؛ حيث تتزايد رقعة المتسائلين داخل البلاد وخارجها عمَّا إذا كان الوضع وصل إلى حد الانفصال أم ليس بعد. لكن ثمة من لا يبالي بتلك التساؤلات باعتبارها “زوبعة في فنجان”، وأن تهديدات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بقطع العلاقات مع الولايات المتحدة أشبه بـ”الكلام الفارغ”، فيما يرتبط بضغوط مرتبطة بتحالفاته السياسية، ففي النهاية ستسعى أنقرة لاستعادة العلاقات مع واشنطن.

لكن هذا التفاؤل يبدو في غير محله، فتركيا تنظر إلى حلف الناتو نظرة سلبية باعتبار أن أصدقاء أردوغان كأعدائه على حد سواء، حيث تأثرت شعبية الولايات المتحدة بالداخل التركي، أخيرًا، ذلك أن نحو 18% فقط من الأتراك لديهم نظرة إيجابية لواشنطن، في حين يصل من ينظر إليها باعتبارها تهديدًا كبيرًا على بلادهم إلى 72%. فحلف الناتو بالنسبة لهم يعاني مأزقًا حقيقيًا، لأنه بات أشبه ما يكون بحافة الانهيار، إذ لا يمكنه البقاء على قيد الحياة منفردًا، وهو ما يتطلب المزيد من المثابرة والعمل الجاد لدى قادة الأطلنطي.

إن أردوغان – بالتأكيد – يمثل جزءًا من المشكلة، فقد بات من كان مقربًا من الغرب، شريكًا لأكثر زعماء العالم فظاظة، بل إنه أصبح شبيهًا لهم؛ فمؤسسات الدولة التركية تضعف، والحريات تتراجع، كما تتآكل الديمقراطية. وفي حين تبدو العلاقات التركية مع روسيا أكثر حميمية من أي وقت مضى، فإن العلاقات مع الولايات المتحدة وصلت إلى أدنى مستوياتها، كما لا تزال العلاقات مع أوروبا تعاني من أزمة.

ثم إن أزمة تركيا مع الغرب ترجع إلى عهود سابقة، إلا أنها تعمقت خلال وجود أردوغان على رأس السلطة في تركيا، فهو من صب الزيت على نيران الأزمة المشتعلة حاليًا.

لقد كانت عضوية تركيا بحلف الأطلنطي أشبه بزواج الضرورة، حيث كان لدى الجميع بالداخل التركي مخزون هائل من الكراهية تجاه الناتو. وحتى أثناء فترة الازدهار، كانت الاستراتيجية الكبرى للحلف متنافرة مع المخاوف الأمنية لدى تركيا. فخلال الحرب الباردة، كان الدور الذي خُصِّصَ لتركيا هو إلقاء سلاح البحرية السوفيتية في البحر الأسود، وربط قوات حلف “وارسو” على طول القطاع الجنوبي لحلف الناتو، إذ كانت تركيا تمثل نقطة الانطلاق لمواجهة الاتحاد السوفيتي. وبداية من السبعينيات، وجدت تركيا نفسها تواجه مشكلة أخرى، حيث كان جيرانها، ولا سيَّما سوريا والعراق، يدعمون الجماعات المسلحة التي تقاتل ضدها، مثل الجيش السري الأرمني لتحرير أرمينيا، وحزب العمال الكردستاني PKK. لكن تركيا لم تستطع أن تقاوم، لأن قواتها غير جاهزة، ولم يكن حلفاؤها مبالين بذلك.

وبنهاية الحرب الباردة، كانت أنقرة تعتقد أن هذا الوضع سيتغير، فقد اعتقد الرئيس التركي الأسبق “تورغوت أوزال”، أنه إذا كان بوسع تركيا أن تثبت جدارتها كحليف، فسيكون لها رأي آخر تجاه الولايات المتحدة التي تسيطر حاليًا على العالم أحادي القطب، ولا سيَّما في النطاق المحيط بتركيا. لقد كانت تركيا إحدى أشد الدول المؤيدة لعملية “عاصفة الصحراء”، كما أنها فتحت قاعدة “إنجرليك” الجوية للجنود الأميركيين، وقامت بنقل 100 ألف جندي تركي من الحدود البلغارية إلى الحدود العراقية، ومارست ضغوطًا من أجل نشر جنودها إلى جانب الأميركيين في العراق. حتى إنه قيل إن تركيا طلبت من الرئيس الأميركي – آنذاك – جورج دبليو بوش، دعم الولايات المتحدة لها في مساعيها لضم الموصل وكركوك، مما ساعد في أن يقترب حلم أتاتورك من التحقيق.

وبدلاً من ذلك، فقد خسرت تركيا كثيرًا، حيث تحولت منطقة حظر الطيران التي تفرضها الولايات المتحدة شمالي العراق إلى دولة كردية بحكم الأمر الواقع تحت حماية الطائرات الأميركية والبريطانية. وأصبحت المنطقة أشبه بقاعدة لانطلاق هجمات حزب العمال الكردستاني جنوب شرق الأناضول؛ إذ لا يزال العامان التاليان على حرب الخليج، هما الأكثر دموية في معركة تركيا المستمرة منذ عقدين ضد حزب العمال الكردستاني. وهي حقيقة لم تغب عن أذهان الأتراك الذين يلومونها على موقفها من الولايات المتحدة، سواء كانوا مخطئين في ذلك، أو على صواب، وهو الموقف الذي كان في أسوأ الأحوال مهملاً، أو كان ثمة تواطؤ تجاهها في أحسن الأحوال. لقد أقنعت هذه التجربة الكثير من الأتراك بأن واشنطن تدعم إقليم كردستان في حصوله على الاستقلال، وهو ما بدا يشعر به الكثيرون بشكل واسع بعد عقد من الزمان، وهو ما كان كافيًا لأن يعارض البرلمان التركي السماح للقوات الأميركية بالدخول إلى البلاد إبان حرب العراق، رغم الضغوط الكثيفة التي مارستها واشنطن على أردوغان والوعود التي قدمتها له بمليارات الدولارات من المساعدات.

وتتحمل تركيا المسؤولية عن الممارسات الخاطئة في سياستها الخارجية، مثل مواقفها المتعجرفة من العقوبات الإيرانية، والحماسة الزائدة للإطاحة ببشار الأسد في سوريا، والاستجابة الضعيفة لمواجهة تنظيم “داعش” الإرهابي، والعلاقات مع شركاء إقليميين مثل مصر وإسرائيل. لكن حينما تُهاجم أنقرة من قبل حلفائها بسبب هذه التصرفات السيئة، فإن عليهم أن يأخذوا العديد من الاعتبارات في هذا السياق. ربما كان الأمر بالنسبة لأنقرة أقل صعوبة لو لم يتم غزو العراق بناء على أسباب واهية، فلم يكن لدى الغرب أية استراتيجية واضحة في سوريا، حيث لم يتم القضاء على احتجاج تركيا على الميليشيات الكردية، كما لم تنصت واشنطن إلى صوت حلفائها في كثير من الأحيان.

وبالنظر إلى جانبين من أهم الجوانب المثيرة في السياسة الخارجية التركية كالوجود العسكري في سوريا، والاتفاق الخاص بصواريخ  S-400مع الروس، فقد كانت مخاوف أنقرة من القوة المتزايدة للجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، ووحدات حماية الشعب، والأجزاء الأخرى بكردستان المتمتعة بالحكم الذاتي في شمال سوريا. فقد تسببت حملة حزب العمال الكردستاني للحصول على الانفصال عن تركيا، في إزهاق الآلاف من الأرواح. ومع ذلك، فقد احتفظت واشنطن ببعض الحلفاء معها في سوريا، في حين أن الأوروبيين سمحوا لها بالعمل بحرية في بلدانهم لعقود سابقة؛ حيث كان حلفاء تركيا يتوقعون من أنقرة أن تكون مرنة مع أعدائها، وأن توجه إليها النقد بشأن ما لم تفعله، وهي حقيقة أكثر إزعاجًا؛ لأن حزب العمال الكردستاني كان – فيما يبدو – عدوًا لحلف الناتو أيضًا، حيث تم تصنيفه كمنظمة إرهابية.

لقد كانت ثمة درجة من المرونة المشابهة في صفقة S-400، وهي الأزمة التي لم تكن حتمية بأي حال من الأحوال، فمع تنامي الوجود الروسي وتأزم الوضع الأمني في سوريا والعراق، وتوسيع برامج الصواريخ الخاصة بقوى إقليمية أخرى، كانت لدى تركيا أساس منطقي للبحث عن قدرات دفاع جوي خاصة بها. فلم يعد سرًا أن أنقرة لديها طموحات عالية للصناعات الدفاعية الخاصة بها؛ حيث تستثمر – بالفعل – مليارات الدولارات في تصنيع دبابة قتالية خاصة بها، وسفينة حربية مقاتلة، وطائرة من “الجيل الخامس” في إطار منظومة الصناعة التركية. لقد كانت إحدى استراتيجيات أنقرة الرئيسية في هذا السياق، هي الاستفادة من قوتها الشرائية لاكتساب المعرفة وبناء القدرات، التي عرفها حلفاؤها في الناتو بشكل جيد؛ لأن شركاتهم، بما في ذلك اثنين من مقدمي عروض الناتو في صفقة الدفاع الجوي التركي، وهما “رايثيون” و”يوروسام” كانت منذ فترة طويلة على علاقة بالأتراك في مثل هذه الشراكات.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: foreign policy

 

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر