الصين تظن أن الحرب التجارية ليست بسبب التجارة

التاريخ والوقت : السبت, 6 أكتوبر 2018

أنا فيفيلد

 

لا تنشب الحرب التجارية بسبب التجارة، لكن الأمر يتعلق بمحاولة الولايات المتحدة، احتواء الصين ومواجهة صعودها. تلك هي النظرية التي يتزايد شيوعها في “بكين” هذه الأيام؛ حيث ينظر للرئيس الأميركي دونالد ترمب، في إطار جولة أخرى أكبر من التعريفات الجمركية على السلع الصينية.

فقد ترى واشنطن ذلك باعتباره مساعي لإعادة التوازن الاقتصادي، لكنَّ بكين تنظر إليه في هذا السياق كوسيط لعلاقة ترمب النسبية تجاه تايوان، واحتمال فرض عقوبات أميركية على معاملتها لمسلمي الإيغور، والقرار الأميركي باستبعاد الصين من التدريبات العسكرية بالمحيط الهادئ هذا العام، بجانب – طبعًا – ميل واحد تجاه تفسير المؤامرة.

لقد تمَّ الكشف عن نية الولايات المتحدة لتعطيل عملية التنمية في الصين بشكل كامل، وذلك حسب ما ذكرت صحيفة “الشعب اليومية” في الفترة التي سبقت قرار ترمب بفرض رسوم جمركية على سلع صينية إضافية بقيمة 200 مليار دولار. وقالت الصحيفة، إن “ستيفن ك. بانون”، الذي كان يشغل منصب كبير مستشاري الرئيس سابقًا، قال ذات مرة إن الولايات المتحدة بحاجة إلى خمس سنوات فقط “لهزيمة الصين اقتصاديًا”. فحقيقة فرض العقوبات في ذكرى غزو اليابان عام 1931 لشمال الصين، التي يراها العديد من الصينيين لحظة من الأمن القومي، لا تعدو أن تكون إلا كمن “وضع الملح على الجرح”.

فقد قال “كيوشي”، في المنشور المؤثر للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، في تعليق سابق، إن أولئك الذين كانوا يهاجمون أسلوب الرأسمالية الصيني كانوا يفعلون ذلك من أجل خلق رأي عام للحد من تطور الدول الناشئة، وخاصة الصين. وقال إن هؤلاء المنتقدين يحاولون من خلال تشويه سمعة نظام اقتصاد السوق الاشتراكي في الصين، زعزعة ثقة الجمهور به، وفي النهاية إحباط تطور الصين.

وتعكس تلك التأكيدات في وسائل الإعلام الرسمية، انطباعًا عامًا متزايدًا في العاصمة الصينية، حيث تحاول حكومة الرئيس “شي جينبينغ”، معرفة ما يفعله ترمب بالضبط. فهناك الكثير من النظريات التي تحاول تفسير دوافع الولايات المتحدة وراء الحرب التجارية كما يقول “تشينغ شياوخه”، أستاذ الدراسات الدولية في جامعة “زيمين” في بكين، فالبعض يرى أن الولايات المتحدة تحاول إعاقة الصين عن اللحاق بالركب في مجال التكنولوجيا المتطورة، أو أن الولايات المتحدة تحاول إعاقة الصين عن التطور والنمو. كما يرى البعض أن ترمب يريد تعزيز فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية، هنا يذهب “شياوخه” إلى اختيار كل هذه التصورات مجتمعة.

وتذهب “بوني س. جلاسر”، مديرة مشروع الطاقة الصينية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إلى أن ترمب يريد احتواء الصين، حيث يعارض تقديم تنازلات في الحرب التجارية. وقد كان ذلك واضحًا عندما أشارت بكين إلى أنها لن تتراجع، فقد أعلنت الصين أنها سترد بفرض تعريفة جمركية على سلع أميركية تقدر بـ60 مليار دولار، وقد بدأ سريان مجموعتي التعريفات، أخيرًا.

وقد كانت تصرفات ترمب “تهدد مصالح الصين الاقتصادية وأمنها”، كما صرحت وزيرة التجارة بعد الإعلان عن المزيد من التعريفات الجمركية، حيث لمحت إلى النظرية القائلة بأن ذلك تجاوز العجز التجاري.

ورغم أن معدلات النمو المزدهرة في الصين، قد تباطأت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، فإنها ما زالت في طريقها إلى تجاوز الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2030، وفقًا لمجموعة من الباحثين المعتبرين.

لكن الصين متهمة باستخدام ممارسات تجارية غير عادلة، مثل: الإغراق، والإعانات الصناعية، ونقل التكنولوجيا القسري للمساعدة في الوصول إلى المركز الأول. فعندما أصبح ترمب رئيسًا، وبدأ في مهاجمة الصين للاستمتاع بفائض تجاري مع الولايات المتحدة التي بلغت 375 مليار دولار العام الماضي، لم تكن بكين تعتقد أنه كان جادًا، كما قال “بول ت. هاينل” مستشار صيني سابق في إدارتي بوش وأوباما للأمن القومي، ويعمل حاليًا مديرًا لمركز “كارنيغي تسينغهوا” في بكين.

وفي وقت مبكر، كان لدى الصينيين سرد بسيط جدًا بأن كل هذه الأشياء التجارية كانت تتعلق بالأهداف السياسية قصيرة المدى بالنسبة لترمب، عبَّر عنها في تغريدة له على موقع “تويتر” قال فيها “الآن هم في الطرف الآخر من الطيف، والآن يتعلق الأمر كله بالولايات المتحدة التي تحاول منع صعود الصين”.

وللحفاظ على هذه النظرية، تشير بكين إلى أدلة، مثل: استبعاد الولايات المتحدة للصين من مناورات المحيط الهادئ التي تجري في هاواي، وهي أكبر مجموعة من التدريبات العسكرية البحرية في العالم هذا العام، وذلك عقابًا على توسعها في بحر الصين الجنوبي. كما انتقدت بكين إحياء الحوار “الرباعي” الذي ضم الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند كطريقة لمحاولة احتوائها.

وهناك قانون السفر التايواني الذي وقع عليه ترمب في مارس، والذي يجشع على المزيد من الحوار بين المسؤولين الأمريكيين والتايوانيين، حيث تنظر بكين إلى تايوان باعتبارها مقاطعة منشقة يجب إعادتها إلى الصين. كما أثار المسؤولون الأميركيون احتمال فرض عقوبات على كبار المسؤولين الصينيين والشركات المرتبطة بمزاعم انتهاكات حقوق الإنسان ضد المسلمين في غرب الصين. الآن تتواتر التقارير التي تفيد بأن وزارة العدل أمرت وكالة أنباء “شينهوا” التي تديرها الدولة وتلفزيون الصين العالمي، بالتسجيل في الولايات المتحدة كوكلاء أجانب. وهو ما يعطيهم إحساسًا بأن الأميركيين يتفوقون عليهم، وهذا يرتبط بالاقتصاد والأمن بشكل لا يمكن فصلهما، كما يذهب “مايكل كوفريج” المحلل الصيني في مجموعة الأزمات الدولية.

تركز حكومة “شي” على تصرفات الولايات المتحدة في المنطقة، وتميل إلى استراتيجية الاحتواء ولكن دون الاعتراف بتصرفاتها الخاصة، مثل المناورات العسكرية الأخيرة مع روسيا، وتوسع بكين في بحر الصين الجنوبي؛ لذلك لا بدَّ أن يدرك الصينيون أن طموحاتهم الخاصة قد تغيرت، فمن الأسهل بكثير أن يقولوا إن الولايات المتحدة قد تغيرت، فالأمر حاليًا يصعب على بكين تصديقه.

تتفق “هاينل” الباحثة بمركز “كارنيغي” ببكين، على أن نظرية الاحتواء كانت “رواية مريحة جدًا” لأنه لا يتطلب من الصين قبول أي مسؤولية عن هذا الوضع، وتقول: “الأمر كله يتعلق بالصين كضحية”.

وفي الواقع، لم يكن هناك أي نقاش أو اعتراف بحقيقة أن الصين ربَّما كانت لها علاقة بتهيئة الوضع كما يقول المحللون، فقد اشتكت إدارة ترمب، وغيرها من الحكومات، ومن السياسات الصناعية الصينية، بما في ذلك القيود المفروضة على الوصول إلى الأسواق وعمليات نقل التكنولوجيا القسرية.

قضايا ألمحت إليها الصين في الماضي

بعد فترة وجيزة من توليه السلطة عام 2013 ، وضع “شي” رؤيته للإصلاح الاقتصادي، الذي إذا تمَّ تنفيذه، فسيسهم إلى حدٍّ ما في تصحيح الاختلالات التي احتجت عليها هذه الحكومات. كما شملت تلك التغييرات، إعطاء الأسواق “دورًا حاسمًا” في تخصيص الموارد في الاقتصاد، وإصلاح النظام الضريبي، والتغييرات في النظام القانوني.

وبعد ذلك، وفي “منتدى بواو” هذا العام، الذي يسمى أحيانًا “دافوس الصين”، قدَّم “شي” نفسه على أنه بطل الاقتصاد العالمي، حيث قال “بلدنا هو بلد مشارك بشجاعة في الثورة الذاتية والإصلاح الذاتي، واستمر في التغلب على العقبات المنهجية”. وقال إن الصين ستخفض التعريفات الجمركية على السيارات وتحمي الملكية الفكرية للشركات الأجنبية. لكنها حققت تقدمًا بسيطًا في أي من هذه الأهداف.

وكما تقول “هاينلي”، فقد أصبح ترمب – حاليًا – محل اهتمام الصين، ذلك أن الإدارة تتحدث أكثر فأكثر عن القضايا الهيكلية، وأن هناك قدرًا هائلاً من الدعم داخل الولايات المتحدة وحول العالم للضغط على الصين بشأن هذه القضايا، وحتى الصين تدرك أنها بحاجة إلى التغيير.

لكن الصين تقف – الآن – موقفًا ثابتًا وترفض التخلي عن ترمب، حتى مع نفاد خياراتها للاستجابة، التي تعد نتيجة مباشرة للاستيراد من الولايات المتحدة أقل بكثير من صادراتها إليها، وكما قالت صحيفة “الشعب الصينية” أخيرًا، فإن الصين ستواصل الازدهار، مع الرفيق “شي جين بينغ”، وبالتوجيه العلمي لفكر “شي جين بينغ” حول الاشتراكية مع الخصائص الصينية لعصر جديد، ستحصل البلاد على الثقة للتغلب على كل الصعوبات والعقبات.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: واشنطن بوست

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر