الصين تتطلع إلى ميناء استراتيجي في الفلبين

التاريخ والوقت : الجمعة, 1 فبراير 2019

ريتشارد جواد هيدريان

 

لقد وفَّر الإفلاس المفاجئ وغير المتوقع (لشركة “هانجين” الفلبينية فرصة فريدة للصين بالاستيلاء على ميناء “سوبيك” البحري، وهو الموقع السابق للقواعد العسكرية الأميركية التي كانت مغلقة حتى عام 1991 وسط موجة من النزعة القومية المناهضة للولايات المتحدة في نهاية الحرب الباردة.

لقد تعثرت الشركة المحلية التابعة لعملاق صناعة السفن الكورية الجنوبية “هانجين” العاملة في الصناعات الثقيلة والبناء، أخيرًا، في سداد أكثر من 400 مليون دولار من القروض المقدمة من البنوك المحلية، وهو ما يمثل أكبر عجز على الإطلاق في تاريخ الفلبين. وفي أعقاب ذلك، طلب أصحاب “هانجين” مساعدة من الحكومة الفلبينية للعثور على مستثمرين جدد لمنع تسريح نحو 3000 عامل، وتدين الشركة بمبلغ 900 مليون دولار إضافي لبنوك كوريا الجنوبية، وذلك وفقًا لعدد من التقارير.

وقد تمَّ الإعلان وفقًا لمصادر في الحكومة الفلبينية عن أن شركتين صينيتين أبدتا رغبتهما في الاستيلاء على حوض بناء السفن الذي تبلغ مساحته 300 هكتار، والذي يعد أكبر خامس شركة في العالم. ويشير المحللون إلى أن الشركة الصينية للملاحة البحرية (COSCO) ومجموعة شركات “مارشانت جروب” Merchants Groupالصينية، قد تقدمت قبل مدة قصيرة بعروض قوية لتشغيل الموانئ الأجنبية خلال السنوات الأخيرة.

ويقع الميناء على بُعد حوالي 50 ميلاً شمال مانيلا، ويطل على بحر الصين الجنوبي الاستراتيجي المتنازع عليه. ويبعد أكثر من 100 ميل بحري من منطقة “سكاربورو شول” المتنازع عليها أيضًا، والتي تحتلها الصين حاليًا. كما أنها تعتبر بمثابة حلقة حاسمة إذا ما تحركت بكين لفرض منطقة تعريف للدفاع الجوي (ADIZ) في المنطقة البحرية.

وواصلت الشركات الصينية استثماراتها في منطقة “كلارك” الاقتصادية المجاورة، التي كانت في السابق موقعًا لإحدى أكبر القواعد الجوية الأميركية في الخارج، لكن تم تحويلها قريبًا إلى مركز لوجستي تجاري. وتعمل الشركات الصينية – بالفعل – في منشآت مماثلة في كل من “داروين” بأستراليا و”بيرايوس” باليونان لأغراض يأتي في مقدمتها تعزيز التجارة.

وفي إطار “مبادرة الحزام والطريق” (BRI)، التي أطلقتها الصين في عام 2013، لعبت الشركات الصينية دورًا رئيسًا في بناء وتشغيل 42 ميناء في 34 دولة. وفي نوفمبر الماضي، وأثناء زيارة للرئيس الصيني “شي جين بينغ” إلى مانيلا، وقَّع الرئيس الفلبيني “رودريغو دوتيرتي” سلسلة من الاتفاقات لتعزيز مشاركة حكومته في “مبادرة الحزام والطريق”.

وهناك مخاوف سيادية من أن صفقة “سوبيك” قد تنتهي إلى استيلاء سريلانكا، إذ حصلت شركة صينية على عقد إيجار لمدة 99 عامًا لميناء “هامبانتوتا” بعد أن تخلفت الحكومة المحلية عن تقديم قروض صينية لتطوير المنشأة. وقد كان خليج “سوبيك” يُعدُّ موقعًا لأكبر قاعدةٍ بحريةٍ أميركيةٍ في الخارج خلال الحرب الباردة، ولا تزال تعمل كمحطة لإصلاح وإعادة التزود بالوقود لسفنها الحربية بموجب اتفاقيات الدفاع الفلبينية الأميركية. وقد تشكل الحلفان، بموجب اتفاقية “تعزيز التعاون الدفاعي” (EDCA)، وتمَّ – أيضًا – توسيع نطاق الحضور الأميركي بالتناوب في المرافق العسكرية التابعة لخليج “سوبيك” في مطلع عام 2010.

ومع ذلك، فإن “دوتيرتي”، الذي وصل إلى السلطة في منتصف عام 2016، اتجه نحو تخفيض مستوى التعاون البحري مع الولايات المتحدة لصالح تعزيز العلاقات مع الصين؛ إذ قام بإلغاء خطط للقيام بدوريات مشتركة مع الولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي، بالإضافة إلى إلغاء مناورة عسكرية تدريبية مشتركة في المنطقة.

كذلك رفضت حكومة “دوتيرتي” الوصول إلى الميناء لإعادة إمداد السفن الحربية الأميركية وإعادة تأهيلها للقيام بعمليات الملاحة بحريَّة في بحر الصين الجنوبي الذي تعتبرها الصين أعمالاً عدوانية.

وفي عهد “دوتيرتي” – أيضًا – قدَّمت بكين أسلحةً متطورةً إلى الجيش الفلبيني، وتمَّ التأكيد على ذلك من خلال قرض شراء معدات دفاعية بقيمة 500 مليون دولار أميركي عام 2017، في حين قامت السفن الحربية الصينية بزيارات غير مسبوقة للموانئ الفلبينية.

لقد أجرى الجانبان أول مناورة بحرية مشتركة في أكتوبر الماضي بالقرب من منطقة “تشانجيانغ” فى مقاطعة “قوانغدونغ” بجنوب الصين. ثم إن هناك في الوقت الحالي مفاوضات حول إبرام اتفاق دفاعي يمكن أن يمهد الطريق لمزيد من التدريبات الدورية المشتركة والتدخل الصيني الدوري للقواعد الفلبينية. ووضعت الشركات الصينية نصب عينيها شراء أو بناء منشآتٍ سياحية بالقرب من القواعد والموانئ ذات المواقع الاستراتيجية، بما في ذلك قاعدة “باوتيستا” الجوية في منطقة “بالاوان”، القريبة من سلسلة جزر “سبراتلي” المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي. وقد نظرت الولايات المتحدة في مسارات التحضير المسبق، وحشد الأسلحة، وتطوير البنية التحتية العامة في قاعدة “باوتيستا” الجوية؛ وهو ما من شأنه أن يسمح لواشنطن بمراقبة حالات الطوارئ في بحر الصين الجنوبي والاستجابة لها على نحو أكثر فعالية، وذلك في الوقت الذي تمثل فيه الفلبين عامل ردع كامنًا ضد المزيد من التجاوزات الصينية. ومع ذلك، فقد منع “دوتيرتي” وضع أي أسلحة من قبل الولايات المتحدة في القاعدة ذات الموقع الاستراتيجي، بحجة أن مثل هذه المواضع قد تنتهك السيادة الفلبينية وتثير الصين بلا أي داعٍ.

وعلى مدار الشهر الماضي، بدأت “مانيلا” – أيضًا – في مراجعة معاهدة الدفاع المشترك المتبادلة مع الولايات المتحدة عام 1951، باعتبار أن لها مصلحة متبادلة. حتى إن وزير الدفاع الفلبيني “دلفين لورنزانا”، اقترح أن إلغاء المعاهدة لا يزال خيارًا مطروحًا على الطاولة. وفي ضوء هذه الاستراتيجية، يعتقد البعض أن الصين عازمة على الاستفادة من إفلاس “هانجين” كذريعة للاستحواذ على “سوبيك” لمراقبة السفن الحربية الأميركية بشكل أفضل، وربَّما على المدى الطويل منعهم من الوصول إلى ميناء كانوا يزورونه بانتظام خلال القرن الماضي. ووفقًا لـ”سيفيرينو رودولفو”، مدير إدارة مجلس الاستثمار الفلبيني (BOI)، فقد أعربت شركتان صينيتان، إحداهما مملوكة للدولة، عن اهتمامهما بإنقاذ حوض بناء السفن المتعثر ماليًا.

وبالمقارنة بالعام الماضي، قامت شركة “هانجين” الفلبينية بتخفيض قيمتها المالية إلى السُدس، لكن لم يتم الإعلان عن أي أرقام محددة في ضوء ما تطمح إليه “هانجين” في الوقت الراهن. وتواصل “هانجين” البحث عن مستثمرين؛ إذ على الرغم من عدم كشف رئيس “مجلس الاستثمار الفلبيني” في مؤتمر صحفي في 11 يناير، عن مزيد من التفاصيل حول المستثمرين الصينيين المحتملين وشروط عرضهم، فإن لدى هؤلاء فرصة وحرص للاستثمار في الشركة.

المشرعون يستعدون للآثار المحتملة للسلطة والأمن

طالبت السناتور “جريس بو”، المرشحة السابقة للرئاسة، التي تتقدم في استطلاعات الرأي في الوقت الحالي، وذلك في إطار مساعيها لإعادة انتخابها، لجان مجلس الشيوخ الخاصة بالدفاع الوطني والخدمات العامة، بإجراء تحقيق في الاستيلاء المحتمل على أساس الأصول الوطنية الاستراتيجية. ذلك أن هناك حاجة لتحديد مدى كفاية الأطر القانونية والتنظيمية وغيرها من الأطر القانونية للملكية والرقابة والإدارة من قِبَل الشركات الأجنبية والمؤسسات الصناعية الاستراتيجية التي تُعدُّ حيويةً بالنسبة للأمن القومي، والتنمية والاقتصاد، مثل مرافق بناء السفن. فالأمن والسيطرة على خليج “سوبيك”، أمران مهمان بالنسبة لأمن بحر الصين الجنوبي، إذ تمَّ الاعتراف بالحقوق السيادية والولاية القضائية للفلبين، وتمَّ تأكيد ذلك في عام 2016 من خلال التحكيم في بحر الصين الجنوبي.

لقد فازت الفلبين بقضيتها ضد ادعاءات الصين واسعة النطاق بشأن الأراضي في بحر الصين الجنوبي، وتدعي “مانيلا” باعتبارها جزءًا من منطقتها الاقتصادية الخالصة في محكمة التحكيم الدائمة بـ”لاهاي” في يوليو 2016، لكن الصين رفضت الالتزام بالحكم.

لقد حظرت المؤسسة التشريعية، تمويل مشروع “الفلبين الآمنة” التابع لوزارة الداخلية والحكومة المحلية (DILG)، والذي تمَّ توقيعه خلال زيارة الرئيس الصيني “شي جين بينغ” إلى “مانيلا” في نوفمبر الماضي. ويتضمن المشروع الذي تبلغ تكلفته 400 مليون دولار، تركيب 12 ألف كاميرا مراقبة في المدن الكبرى، مع تطوير التكنولوجيا وتقديم المشورة الفنية التي تقدمها شركة “الصين الدولية للاتصالات السلكية واللاسلكية” (CITCC) المملوكة للدولة. غير أن رئيس مجلس الشيوخ “رالف ريكتو”، عارض ذلك المشروع – بصراحة – على أساس أنه يشكل “مخاطر محتملة على الأمن القومي أو المصلحة العامة”، مع الأخذ في الاعتبار أن الشركات الصينية والأفراد الصينيين متورطون – أيضًا – في أنشطة التجسس والقرصنة خلال السنوات الأخيرة. لكن وسط الصخب التشريعي، اقترح وزير الدفاع “لورنزانا”، أن تتولى الحكومة إدارة الميناء. واقترحت البحرية الفلبينية ذلك أيضًا، ومن ثَمَّ، فلماذا لا تتولى الفلبين القيادة حتى تتوفر لها قاعدة بحرية هناك؟ وهو ما يرد عليه “لورنزانا” أمام الصحفيين قائلاً: “سنكون قادرين على بناء السفن”.

أمَّا قدرة الحكومة الفلبينية على جمع الأموال اللازمة لعملية الاستحواذ، فهي أمرٌ مشكوكٌ فيه. ولكن ما هو واضح بشدة أن أي تحرك من جانب الصين للسيطرة على ميناء “سوبيك” سيواجه بمعارضة قومية، بغض النظر عن المزايا الاقتصادية والمالية للاتفاق.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: آسيا اليوم

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر