الصين – أوروبا: شراكة متوازنة أم منافسة منهجية؟

التاريخ والوقت : الخميس, 11 أبريل 2019

فلاديمير بيتروفيسكي

 

أثارت الزيارات الرسمية التي قام بها الرئيس الصيني “شي جين بينغ”، أخيرًا، إلى إيطاليا وموناكو وفرنسا، عددًا من التعليقات من قِبَل وسائل الإعلام الأوروبية، التي وَصَفَت السيد “شي” بأنه “ماركو بولو في الاتجاه المعاكس”؛ لأنه وصل إلى أوروبا لفتح العالم أمام الصين والسلع الصينية.

وتعدُّ نتائج زيارة الزعيم الصيني غامضة جدًا، لأنها تعطي – بالتأكيد – فكرةً ملهمةً بالنسبة لكل من الضيوف والمنظمين. ومع ذلك، فإن رحلة “شي جين بينغ” إلى إيطاليا قد أسفرت عن نتائج ملموسة من خلال إدخال ثالث أكبر اقتصاد في أوروبا إلى “مبادرة الحزام والطريق” التي تقودها الصين؛ فقد وقَّع الجانبان مذكرة تفاهم حول التعاون الثنائي في بناء الطرق والسكك الحديدية والجسور والطيران المدني والموانئ البحرية والطاقة والاستثمار.

علاوة على ذلك، فإن الترحيب والحفاوة التي حظي بها الزعيم الصيني أثناء زيارته من قبل الحكومة الإيطالية اليمينية والشعبية والمتشككة في أوروبا، كان له تأثير – بلا شك – على قيادة الاتحاد الأوروبي من خلال التشكيك في “تضامن” الاتحاد الأوروبي الذي تتحدث بروكسل عنه دومًا.

وعقد الرئيس “شي جين بينغ” المزيد من اللقاءات في باريس، إذ رتَّبَت له صحيفة “لوموند” اجتماعًا رُباعيًا مع كلٍّ من الرئيس “إيمانويل ماكرون”، والمستشارة الألمانية “إنجيلا ميركل”، ورئيس المفوضية الأوروبية “جان كلود جونكر” في 26 مارس. وتمَّ التوصل في ذلك الاجتماع إلى ميثاق استراتيجي جديد بالنسبة للصين، وقد تبنته المفوضية الأوروبية في 12 مارس، من أجل توضيح حالة الغموض الصيني وبرنامجها الشامل، والعمل على توسيع نطاق “طريق الحرير الجديدة” حول العالم. والملاحظ على هذا الميثاق أنه يصف الصين بأنها “منافس نظامي” يعمل من خلال نماذج إدارية بديلة، وأنه “منافس اقتصادي يبحث عن الريادة التكنولوجية”.

وخلال الاجتماع، تبادل الرئيس “إيمانويل ماكرون” مع نظيره الصيني، رغبته في “شراكة متوازنة” مع جمهورية الصين الشعبية. وشهد الاجتماع – أيضًا – طلب المفوضية الأوروبية من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التنسيق بشكل أفضل مع بروكسل لتنفيذ مشاريع البنية التحتية الخاصة بها بالتعاون مع بكين. وتسعى المفوضية الأوروبية – أيضًا – إلى تشديد الرقابة على عمليات نقل التكنولوجيات الجديدة إلى الصين.

وفي اجتماعات بروكسل، أثيرت موضوعات نقاشية مثل الميزان التجاري بين الصين والاتحاد الأوروبي، وتأثير سياسة “بكين” الصناعية على المنافسة الدولية، فضلاً عن التحديات التي تفرضها إمكانات الابتكار في الصين في الوقت الراهن. وهو ما صاحبه إعلان المفوضية الأوروبية عزمها إعادة تقديم اقتراح للحد من المشاركة في المناقصات المفتوحة للدول التي تمارس التمييز ضد الشركات الأوروبية في أسواقها المحلية.

وكجزء من عملية المراجعة الحالية لسياسته الصناعية، وضع الاتحاد الأوروبي آلية لحماية الشركات الأوروبية والسيطرة على الاستثمارات المباشرة الوافدة من الخارج، لتبدو سارية المفعول في وقت لاحق من هذا الشهر. ونتيجة لذلك، سيتم فحص ما يصل إلى 83% من الاستثمارات المباشرة التي قامت بها الصين في دول الاتحاد الأوروبي في عام 2018.

وخلال زيارة “شي جين بينغ”، أوضح قادة الاتحاد الأوروبي تمامًا أنه لضمان موافقتهم على الانضمام إلى مشروع “حزام واحد وطريق واحد”، يتعين على “بكين” أن تفتح أسواقها للسلع والمنتجات المصنعة في الاتحاد الأوروبي؛ ذلك أنهم يعتقدون أن مواقف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الفردية في محادثات سوق التجارة والمبيعات، تبدو أضعف من مواقف مثل هذه المفاوضات التي تكون نيابة عن الاتحاد الأوروبي ككل.

لذلك، تدرس “بروكسل” دعوة “بكين” للانضمام إلى “مبادرة الحزام والطريق” في الصورة العامة للعلاقات الأوروبية الصينية، التي عانت كثيرًا نتيجة مخاوف الأوروبيين. وفي الوقت نفسه، يبدو أن قيادة الاتحاد الأوروبي فشلت في التوصل إلى رؤية، أو حتى على الأقل محاولة عدم فقدان السيطرة على الدول الأعضاء بالاتحاد.

والخلاصة الواضحة لاقتراح “بكين”، أنها تستند على مبدأ “الربح المتبادل”، إذ تكون غالبية المشاركات مجانية، ودون أي ضغط، وذلك لتحديد طبيعة ودرجة مشاركتها من وجهة نظر الاهتمامات الخاصة والمزايا المحتملة لكل طرف.

ثم إن هناك استنتاجًا آخر واضحًا جدًا لا يمكن تجاهله في هذا المقام؛ وهو أن دول الاتحاد الأوروبي كانت تراقب أخيرًا الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين التي أطلقتها إدارة ترمب. ومع ذلك، فإن الأمر يبدو كما لو كان في إطار سياستها التجارية والاقتصادية تجاه الصين، فبروكسل بدأت تأخذ حذرها حاليًا تجاه واشنطن؛ لأنها تعمل على إجبار الصين بشكل متزايد من أجل قبول شروطها خوفًا من فقدان الوصول إلى السوق الأوروبية.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: مجلة الدبلوماسية الحديثة Modern Diplomacy

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر