الصحافة السعودية وأزمة الانهيار.. أين الحل؟

التاريخ والوقت : الأربعاء, 5 ديسمبر 2018

حسن النجراني

 

مقدمة

الكل يقف حائرًا أمام وضع الصحافة اليوم في العالم، بين مؤسسات صحفية عريقة تنهار، وصحافة متجددة مثل “الواشنطن بوست”، أو “نيويورك تايمز” و”الغارديان”، وصحافة استجدت مع تطورت التكنولوجيا وأصبح حضورها مؤثرًا، مثل: صحف اليوم السابع المصرية، وصحيفة سبق السعودية، وموقع Buzz Feedالأمريكي الشهير.

وتظهر إحدى تجليات الحيرة في وضع الصحافة اليوم، في تدني مبيعات الصحف والإعلانات الورقية، وجملة من إلغاء الوظائف التي طالت العديد من الصحفيين، بل حتى إيقاف مكافآت كتاب العديد من الصحف، وإذا أردنا أن نوجد حلولاً عاجلة لما تتعرض له المؤسسات الصحفية، فعلينا أن ننظر للتجربة الغربية، فالصحافة قدمت من هناك؛ ولذا أي حل، يجب أن نأخذ من خلاله بعين الاعتبار تحولات الصحافة الغربية.

هل الصحافة تحتضر؟

الصحافة لا تحتضر، ولكنها تتحول، ولم يعد للورق مكانًا، بل ضرورة التحول للأخبار البصرية، ولا أدل على ذلك من دراسة نشرتهامؤسسة”بيو ريسرتش سنتر”، حيث تشير إلى عزوف القراء الأميركيين عن قراءة الصحف الورقية، لكونها لم تعد مصدرًا للأخبار لهم، بل أصبحت مصدرًا لـ7% فقط، في حين كانت قبل سنتين مصدرًا لـ11%.

المركز البحثيقال إن الأخبار الورقية احتلت المركز الأخير بعد وسائل التواصل الاجتماعي (10%)، والإذاعات (14%)، والمواقع الإخبارية والتطبيقات على الإنترنت (24%)، أمَّا التلفزيون الإخباري فقد حصل على نسبة (44%) كمصدر إخباري للأميركيين. أظهر الاستطلاعنسبة الذين يقرؤون الصحف الورقية بأنهم حوالي (16%) مقابل (27% ) قبل 5 سنوات، في وقت قال فيه (59%) أنهم لا يقرؤون الصحف الورقية على الإطلاق.

هذه الحقائق كلها تدلل على أن الصحف الورقية والإعلانات التي تبحث عنها لم تعد لها الصدارة، بل تحولت القضية إلى الإعلام الرقمي وأصبح لزامًا على المؤسسات الصحفية أن تعمل على التحول الرقمي وتطوير منصاتها الإعلامية وفقًا للمتغيرات، ولم تجد أي مؤسسة صحفية حول العالم نتيجة مستدامة للعوائد المادية، بل تقوم بمسكنات لأزماتها المالية، وخصوصًا عبر طريقتين، هما: (Paywalls, Freemium/premium models)، ومن أشهر تلك المؤسسات الصحفية (نيويورك تايمز الأميركية)، حيث تقوم هذه المؤسسة بتحفيز متابعيها على الاشتراك.

يقول “مارك طومسون”، الرئيس التنفيذي لشركة تايمز الأميركية (المالكة لنيويورك تايمز) في تقرير، مؤخرًا، عن الأرباح التي جنتها الصحيفة، إنه اشترك فيها قرابة (308.000 آلاف) مشترك جديد، ولعب اعتماد الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الرقمنة دورًا في هذه الزيادة بسبب الفضول والقلق بشأن إدارة ترمب باعتبارها أحد أسباب مكاسب المشتركين في أواخر عام 2016 وأوائل عام 2017.

وفي الوقت ذاته تناقصت فيه أرباح الإعلانات المطبوعة، مع توجه الشركات إلى الإنفاق على الإعلانات الرقمية بدلاً من الورقية، موضحًا أن عائدات الإعلانات الرقمية زادت بنسبة 18.9%، في وقت بلغ عدد المشتركين قرابة المليونين ونصف المليون مشترك.

تجربة الـ”نيويورك تايمز” تؤكد أن الصحف لن تنتهي، ولكن المؤسسات الصحفية التي تتحول مع القارئ، ستجد لها مكانًا في الاستمرار، وخصوصًا في العالم الرقمي الذي نشهد تحولاته اليوم.

الصحافة والرقمنة

خلال دراستي في بريطانيا بين أعوام 2012 و2016 في تخصص الصحافة الدولية والإلكترونية، اطلعت على تجربة صحيفة (Manchester Evening News)، حيث مرت هذه الصحيفة بصراع بين التقنيين والورقيين بين أعوام (2004-2006 ) حول مستقبل الصحيفة وطباعتها ورقمنتها، ووصل الأمر إلى أن الصحيفة استأجرت مبنيين: أحدهما للفريق الورقي، والآخر للرقمي، ومع اشتداد النقاش قررت أن تسند لأحد أقسام الإعلام بإحدى الجامعات البريطانية دراسة مستقبل الصحافة، وبعد عام من الدراسة أظهرت النتائج أن المستقبل للرقمنة، وبالتالي تحولت الصحيفة في غالبيتها إلى العالم الرقمي وتجاوزت مأزق الصحافة المطبوعة.

أيضًا صحيفة “الغارديان” البريطانية التي تأسست 1821م واجهت العديد من المشاكل المالية في بدايات الألفية، لكنها في عام 2008م وضعت لها استراتيجية للتحول الرقمي وذلك لمواكبة القارئ وتحولاته، وأضافت العديد من الأقسام المتعلقة بالثقافة المجتمعية والملابس والمأكولات، وأتاحت أقسامًا للكتاب والمدونين وغيرهم من أجل جذب المزيد من المشتركين، ومع أنها تواجه صعوبات حاليًا، فهي مستمرة في توجهاتها الرقمية، بل إنها خلال الثلاث السنوات الأخيرة بلغ عدد مشتركيها قرابة المليون مشترك مقابل دولار من كل مشترك عقب نداءات وجهتها الصحيفة لتبقى مستقلة وتلبي طموحات القارئ، وارتكزت في حملتها على التبرع أو الاشتراك.

الإعلانات الرقمية – اليوم – هي حلبة صراع تدور رحاها بين المؤسسات الصحفية من جهة، و”قوقل” و”فيس بوك” من جهة أخرى، حيث تسيطر هاتان الأخيرتان على أكثر الإعلانات الرقمية، بحسب رئيسة تحرير صحيفة “الغارديان” البريطانية “كاثرين فاينر” (Katharine Viner)، وتعتقد أن الأرباح المستدامة تأتي من طريقين، هما الاشتراك، والتبرعات التي تأتي من القراء؛ ولذلك ما زال الطريق طويلاً على المؤسسات الصحفية لتجد عوائد مستدامة تساعدها على الديمومة والاستمرارية، ويبدو أنه لا يوجد في الأفق أو المستقبل القريب، ما يجعل هذا الحل واقعًا ملموسًا.

 

الصحافة السعودية والأنظمة المقيدة

ويختصر عبدالرحمن الشبيلي، في مقال نشره في صحيفة الجزيرة السعودية، بتاريخ 1 إبريل 2000م، عن نظام المؤسسات الصحفية، أن هناك حوارًا مطولاً لم يتوقف منذ 4 عقود (حوالي 38 عامًا) حول هذا النظام، وانقسم المحاورون إلى فريقين: الأول يرى أن النظام صالح لتنظيم الصحافة وقابل للتطوير وغالبية الفريق مسؤولون رسميون، ويرى الفريق الآخر أن الزمن تجاوز النظام، ولا بدَّ من إعادة النظر في النظام وإعادة صياغته أو إلغائه، ويتزعم الفريق المهنيون العاملون في الميدان الصحفي.

ويبدو أن الشبيلي كان ينظر إلى المستقبل بعين المبصر، فبين ما كتبه الشبيلي في عام 2000 و2018 حوالي 18 عامًا، أكدت أن نظام المؤسسات الصحفية يعاني من إشكالات متعددة الجوانب ومن أبرزها القيود التي تم وضعها على هذه المؤسسات حتى غدت اليوم عاجزة عن الاستثمار. وقد سنحت لي الفرصة قبل شهر حضور عصف ذهني لمؤسسة عكاظ للصحافة والنشر بحضور أعضاء مجلس الإدارة، وطرحت العديد من الأفكار استنادًا إلى التحولات التي تشهدها الصحافة العالمية، ولكن كانت الإجابات تدور حول النظام وتقييده، ولن أزيد.

والحل؟

المؤسسات الصحفية:

  • إصلاح نظام المؤسسات الصحفية ومنحه مرونة للتحول والاستثمار الرقمي، وأيضًا الاستثمار المتنوع، وهذه المهمة ملقاة على عاتق وزارة الإعلام.
  • إعادة هيكلة المؤسسات الصحفية من الداخل.
  • التقليل من التكلفة التشغيلية والتخلص من المصاريف التي لا تتوافق مع التحولات الرقمية.
  • الاستثمار في المحتوى من خلال الشراكة مع القطاع الحكومي والخاص والقطاع الثالث.
  • الاستثمار الرقمي وخصوصًا في منصات وسائل التواصل الاجتماعي.
  • تفعيل الاشتراك عبر الموقع الإلكتروني بمبلغ رمزي، وابتكار الطرق التي تدفع القارئ للاشتراك.
  • ابتكار طرق إعلانية من خلال صناعة أو استقطاب المشاهير أو تفعيل التسويق بشكل احترافي على جميع المنصات الإلكترونية الخاصة بالمؤسسة.

الصحفيون والعاملون في المؤسسات الصحفية:

  • عدم ممارسة المهنة وحصرها على الحاصلين على دبلوم في الصحافة فأكثر مع ضرورة ممارسة الطالب/ الطالبة أثناء الدراسة لمهنة الصحافة خلال الدراسة للجمع بين النظرية والتعلم العملي، لأنهما يعتبران عنصرين مهمين لزيادة مدخولات الصحافة.
  • على المؤسسات حث الصحفيين على نشر موادهم ودعم مواد الصحيفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وترويج المواد.
  • عدم الاستغراق الكتابي والتطويل فيما يتعلق بالمواد، بل الميل إلى الكتابة البسيطة التي يمكن للقارئ استعراضها في أقل من 3 دقائق.
  • التنوع في أوعية نشر المواد ما بين الخبر الإلكتروني والإنفوجرافيك والموشن جرافيك، والجرافيكس، والتقارير المرئية القصيرة.

أخرى:

  • عدم ممارسة الصحفي عمله إلا ببطاقة من قبل هيئة الصحفيين السعوديين.
  • منح المكاتب الصحفية فرصة حضور جميع الأنشطة التي تنفذها إمارات المناطق تحديدًا، إذ إن بعض الإمارات لا تمنح الصحفيين حق الحضور، وبالتالي تقل صلتهم ببقية القطاعات والمجتمع.
  • تطوير المناهج في أقسام الصحافة بالجامعات السعودية.
  • التركيز خلال الدراسة الأكاديمية على التدريب.

 

محاضر وباحث بقسم الإعلام في كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة*

مدير مكتب صحيفة عكاظ بمنطقة المدينة المنورة*

ماجستير في الصحافة الدولية والإلكترونية من بريطانيا*

@hnjrani

المراجع

https://bit.ly/2BRwp6b

https://bit.ly/2Uhc55l

https://www.theguardian.com/us

Journalism Ethics and Regulation, 3rd edition – Chris Frost.

The 21st Century Journalism Handbook – Tim Holmes, Sara Hadwin andGlyn Mottershead

Design for Media – Di Hand and Steve Middleditch.

https://bit.ly/2RBHopR

https://cnnmon.ie/2QeI9sh

https://bit.ly/2PkmZ6w

https://bit.ly/2RCDxc6

https://bit.ly/2SsWa1X

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر