السياسة الخارجية الأميركية: تحولات ونهج جديد

التاريخ والوقت : الخميس, 6 يوليو 2017

عساف المسعود

 

مقدمة
في البداية، السياسات الخارجية – بشكل عام – يمكن أن تخضع للتحليل العلمي، وذلك من حيث إن السياسة الخارجية هو برنامج للعمل الخارجي للدولة، وهذا البرنامج ظاهرة قابلة للوصف والتنبؤ العلمي، مع الأخذ بالاعتبار المتغيرات التي يمكن التفاعل معها مما يغير نتائج التفسير، أو يضيف عليها عدة أبعاد داخلية وخارجية. ونحن هنا، لا ندعي بأن ما سيقدم، هو فهم شامل للسياسة الخارجية الأميركية الحالية، إنما هي محاولة للفهم، وذلك كون الفترة الرئاسية للرئيس ترمب لم تنتهِ، أي أن المعطيات متجددة إلى اليوم.
ولحاجة ملحة لفهم سياسة أميركا – دونالد ترمب – تجاه المملكة العربية والسعودية والخليج والقضايا التي تخص الشرق الأوسط! سنحاول استقراء السياسة الخارجية الأميركية الحالية من خلال قراءة البعد الهدفي من السياسة الخارجية، وهو الأكثر وضوحًا.. ومن هنا يمكن أن نقول إن الأهداف المعلنة للسياسية الخارجية الأميركية، هي جزء كبير من محاولة صانعي القرار شرح سياستهم.
لذلك سنحاول في النموذجين في العلاقة مع روسيا وأوروبا، الاستشهاد ببعض مما قاله السياسيون في هذا الصدد. وهذا بلا شك أهداف معلنة، يمكن أن نصل من خلالها لسلوك السياسة الأميركية. بعد ذلك سنقوم بمحاولة فهم الأطر المفسرة للسياسة الأميركية الخارجية من خلال أبعاد نجدها هي الأكثر وضوحًا.
أما عن قراءة السياسات من خلال الأهداف غير المعلنة (السياسات السرية)، فإنها تبقى مثارًا للتساؤلات. وكثير ممن يحاولون قراءة هذا النوع من الأهداف، أو السياسات السرية، تكون قراءتهم لها خاضعة لإيديولوجية معينة تتعارض مع عدد من الوقائع ما عدا تلك القراءات التي تبنى على معلومات استخباراتية، قد يكون من الصعب على الباحث أن يتوصل إليها بسهولة.

ترمب والعلاقة الروسية
عندما تتأمل علاقة الرئيس دونالد ترمب بروسيا اليوم، ستجد أن هناك تعقيدات، إذ لا يكمن إخضاع هذه العلاقة للمعايير السائدة، فقد بدأت العلاقة بشكل غير عادي، وذلك عندما رفعت السرية عن التقارير السرية التي قدمتها وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ووكالة الأمن القومي، بأن بوتين أمر بحملة نفوذ وقرصنة الانتخابات الأميركية 2016 لصالح دونالد ترمب، إذ لا تزال تداعيات هذا المشهد قائمة إلى الآن. وعند رؤية المشهد من وجه آخر، تجد أن العلاقة بين الجمهوريين في أميركا وروسيا على خلاف ما عهدناه في تاريخ علاقتهما، إذ نلحظ أن هناك استقرارًا استراتيجيًا وتقاربًا في بعض الملفات المشتركة، بل إن الضربات الجوية التي قام بها السلاح الجوي في إبريل 2017 على مطار قرب حمص، لم يشوش العلاقات بالشكل المتوقع، ويتضح ذلك في حديث السفيرة الأميركية نيكي هالي التي قالت “إن أي اعتداءات أخرى على الشعب السوري سيلقى باللوم حولها على الأسد، ولكن أيضًا على روسيا وإيران اللتين تدعمانه لقتل شعبه”.(1)

أما التصريحات الروسية حيال ذلك، فكانت على لسان ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي قال إن التهديدات التي وجهت إلى “القيادة الشرعية” لسوريا “غير مقبولة”. وقال بيسكوف إنه غير مدرك للأساس الذي يستند إليه تأكيد البيت الأبيض بأن سوريا تخطط لهجوم كيميائي آخر، وأنه من غير الصحيح إلقاء اللوم على الحكومة السورية على الهجمات السابقة دون تحقيق.(2)
ويبدو أنه، ليست الإدارة الأميركية الجديدة وحدها التي تميل للاستقرار الاستراتيجي مع روسيا في الوقت الحالي، فروسيا الجديدة اليوم تريد ذلك أيضًا من خلال سياسة غلق الفجوات في علاقتها الدولية التي كانت موجودة في عهد الاتحاد السوفييتي. فمنذ أن وقعت روسيا اتفاقية الشراكة من أجل السلام في عام 1994، وهي تبحث عن شكل آخر للسياسة الخارجية أقل حدية. وهنا يجوز لنا ذكر ما ورد على لسان الرئيس ترمب خلال الانتخابات الأميركية في واشنطن، وهو قوله “أعتقد أنه يمكن تخفيف حدة التوتر وتحسين العلاقات مع الروس من موقع القوة فقط، وهذا ممكن بلا شك”.(3)
وفي مكان آخر من العالم، يبرز فيه شكل العلاقة بين الجانبين، ألا وهو – شبه جزيرة القرم – نجد أن تصريحات الجانبين كانت أيضًا هادئة، وإن كانت تختلف في المصالح الاستراتيجية. ومن خلال نموذجي سوريا والقرم، يمكن استقراء العلاقة بأنها تتجه لمنطقة أكثر هدوءًا وتوافقًا لبعض الملفات. وإن بدا من بعض التصريحات أن هناك اختلافًا، إلا أن الوضع الحالي يتسم بالهدوء.
أوروبا وأزمة الثقة
ما يقلق أوروبا، هو أن ترمب قد يخفف موقفه من العقوبات المفروضة على روسيا لضم القرم. وفي الفترة التي سبقت قمة مجموعة السبع في صقلية، لم تكن هناك أية إشارة إلى أن دعم الإدارة الأميركية للعقوبات مستمر حتى تنفذ روسيا اتفاقات مينسك. وكان المستشار الاقتصادي لترمب جارى كوهن، قال في أحد لقاءاته “إن الرئيس ما زال يدرس هذه القضية”.(4)

وهذا مؤشر على تصاعد أزمة ترمب مع الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى رفض الاتحاد الأوروبي عرض دونالد ترمب لإعادة التفاوض حول اتفاقية باريس المناخية. وعند القراءة لهذه المرحلة من العلاقات الأميركية الأوروبية، نجد أن الأوروبيين، قلقون بشكل واضح، وسيعملون ضد سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إذا ما حاول أن يتصادم مع رؤيتهم لعدة قضايا، منها: تماسك الاتحاد الأوروبي، وسوريا، وليبيا، والقرم، وفي نفس الوقت تعمل أوروبا على التأكد من دعم أميركا لحلف الناتو، لكن ترمب كان عكس التوقعات عندما انتقد الدول الأعضاء الأوروبية لعدم احترامها للأهداف المالية لميزانية الناتو. وفي مؤتمر القمة للقادة في نهاية مايو، قال ترمب إن 23 عضوًا من بين 28 عضوًا كانوا غير عادلين تجاه دافعي الضرائب الأميركيين.
والمحصلة النهائية من هذه العلاقة، كانت على لسان رئيس الاتحاد الأوروبي دونالد تاسك، الذي قال “إن إدارة ترمب تشكل تهديدًا إلى جانب الصين وروسيا والإرهاب والإسلام الراديكالي، مضيفًا أن الإعلانات المقلقة من الإدارة الأميركية الجديدة تجعل مستقبلنا غير قابل للتنبؤ، بل إن التغيير في واشنطن يضع الاتحاد الأوروبي في وضع صعب. ويبدو أن الإدارة الجديدة تشككنا في الـ70 عامًا الماضية من السياسة الخارجية الأميركية”.(5)

تفسير السياسة الخارجية الأميركية بقيادة الجمهوريين
لا جدال اليوم في أن السياسية الخارجية الأميركية، تسير بشكل مختلف، وذلك بعد تولي دونالد ترمب وفريقه، دفة السياسة لأكبر قوة دولية، إذ تتفاعل هذه السياسة مع القضايا الدولية، متأثرة بعدة عوامل داخلية وخارجية واقتصادية وإيديولوجية.
وللبدء بفهم كل ما تقوم به هذه الإدارة، يجب أن نرجع خطوة للخلف، أي إلى عهد الإدارة السابقة التي امتدت لثماني سنوات. إذ اتخذ الرئيس السابق أوباما، نمطًا من التفاعل الدولي، وفقًا لطبيعة تيار اليسار الليبرالي (الديمقراطيين).. سياسية خارجية ناعمة ترفض استخدام القوة كأداة للسياسة الخارجية، وتفضل التركيز على الشأن الداخلي من خلال برنامج يرتكز على تحسين المؤسسات المدنية، وحقوق الإنسان في الداخل، ودعم اقتصاد أكثر عولمة، مما صاحب ذلك تنامي عدة مطالبات من التيار اليميني (الجمهوريين)، وبخاصة في الشأن الخارجي، وهذا – إلى حد ما – خدم دونالد ترمب للوصول للحكم.
واليوم مع شكل السياسية الخارجية الأميركية التي بدأت تتشكل صورتها في الساحة الدولية منذ صراع الناخبين في عام 2016 وذلك من خلال مجموعة أقوال عبَّر فيها ترمب عن رؤيته للعالم الخارجي كدول الخليج، وإسرائيل، وأوروبا، والصين، والأزمة السورية، والمهاجرين، نرى أنها تتسم بنوع من الحدة والمبالغة في أوقات كثيرة، وتهدف – كما يقول ترمب – إلى دفع أميركا إلى مركز أكثر قوة وتأثيرًا في العالم. لكن في المقابل، وجد العديد من المحللين، أنه من الصعب الاعتقاد بأن ترمب لن يلتزم بأفكاره وسياساته الخارجية عندما يتولى منصبه(6).

وهذا تقريبًا ما حدث في بعض الملفات بعد توليه المنصب، لكن الشيء الوحيد الثابت، هو أن سرعة التغيير في بعض المواقف تشير إلى أنه لا يمكن لأحد التنبؤ بما قد تُقدِم عليه سياسات دونالد ترمب الخارجية.

البعد الاقتصادي
في جانب آخر، تبرز لنا أحد أهم محددات السياسة الخارجية لدونالد ترمب، وهي مسألة انعكاسات السياسات الخارجية على الاقتصاد الداخلي. وبما أن ترمب وفريقه ذوي الخلفية القوية في محركات وأدوات السوق الأميركي والدولي، فإن كثيرًا من قراراتهم تتأثر وتؤثر على البعد الاقتصادي. ويفسر ذلك السياسة الخارجية لدونالد ترمب تجاه الصين، حين قال في وقت الانتخابات بأن دخول الصين لمنظمة التجارة العالمية، هو أكبر عملية سرقة لوظائف الأميركان في التاريخ. وتتضح في جانب آخر من خلال محاولة التقليل من الارتباطات السياسية التي قد تثقل الخزينة الأميركية. وهذا ما حدث في بروكسل عندما طلب الأوروبيين بأن يتحملوا جزءًا من المسؤوليات المالية تجاه حلف الناتو. في المقابل، تتوجه السياسة الخارجية في دول الخليج لزيادة العائد من الاستثمارات الأجنبية من خلال الصفقات والعقود التجارية. وهذا ما اتضح في الصفقات الأخيرة لعام 2017 في السعودية وعدة دول خليجية.
أمن الطاقة
بداية من أزمة السبعينيات في القرن الماضي، عندما قررت السعودية وبعض الدول العربية المنتجة للبترول، قطع تصدير البترول للولايات المتحدة، وموضوع أمن الطاقة يأخذ حيزًا مهمًا في السياسة الخارجية الأميركية، بل هناك من الباحثين مثل دانيال يرجين جعل من هذه المسألة جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي.(7)

وعلى هذا الأساس، تعاقبت الإدارات الأميركية منذ ذلك الوقت، على الأخذ بالاعتبار هذا المحدد للسياسة الخارجية. وعلى سبيل المثال، اتخذت إدارة الرئيس أوباما، عدة إجراءات، ومنها رفع ميزانية البحوث والدراسات في مسائل استخراج النفط الصخري بأقل تكلفة. وفعلاً، بدأ النفط الصخري يستخرج بكمية أكبر، وتزايد الاهتمام به في عام 2015م. وتقريبًا تكاد إدارة ترمب تتسق مع الإدارة السابقة في هذا الشأن، إذ يسعى ترمب من خلال عدة إجراءات ومشاريع إلى استقلالية أميركا في مسائل الطاقة بتعزيز خطوط الأنابيب، وربما محطات تصدير الفحم والغاز الطبيعي، والسكك الحديدية ومصافي التكرير، منها مشروع خط أنابيب (كيستون زل) لنقل النفط الكندي إلى مصاف أميركية.(8)

وهذا جزء مما جاء الحديث عنه سابقًا من توجه السياسة الخارجية الأميركية إلى فك الارتباط بكل ما قد يثقل ميزانيتها. في نفس السياق، ستحرص أميركا بإدارتها المتلاحقة على التأكد من حماية خطوط البترول العالمية، وخطوط الملاحة البحرية التي يصل من خلالها البترول لأميركا وحلفائها في حلف الناتو كمضيق هرمز أو الخليج العربي.
الجمهوريون والنخب السياسية
يواجه ترمب وفريقه كثيرًا من المشكلات مع عدة مراكز قوى داخلية من ضمنها الاستخبارات المركزية، ومؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات الحقوقية، والإعلام، التي تشكل قوة ضغط لا يمكن إغفالها عند قراءة السياسة الخارجية الحالية؛ لقدرة أصحاب المصالح السابق ذكرهم على أن يستعملوا نصيبهم من القوة لإحداث تغييرات قد تفوق حجمها الحقيقي في السياسة الخارجية. ولعل أوضح مثال على ذلك، هو أثر الجماعات الصهيونية الأميركية في التأثير في صنع السياسة الخارجية في الشرق الأوسط.

بل أيضًا يجب أن يؤخذ بالاعتبار، أن دونالد ترمب يواجه معارضة من بعض الجمهوريين، بل إن بعضهم تخلى عنه. وهنا نذكر ما قاله أحد أهم منظري الحزب الجمهوري روبرت كاغان في مقالة في الواشنطن بوست “بالطبع ظاهرة ترمب كلها لا علاقة لها بالسياسة أو الإيديولوجيا، ولا علاقة لها بالحزب الجمهوري”.(9)

الإيديولوجيا في سياسة ترمب الخارجية (الازدواجية)
وفي الحديث عن إيديولوجيا الحزب الجمهوري، أو ما يسمى اليوم بالمحافظين الجدد، من المهم أن نعرف تلك المعتقدات الراسخة لهذه الإيدولوجيا التي نستطيع أن نستشفها من أحد أهم فلاسفة الحزب الجمهوري، وهو شتراوس المتخصص في السياسة الدولية، الذي ظهر نشاطه بعد سفره من ألمانيا لأميركا في الخمسينيات. والملاحظ أن أتباع شتراوس لا يستطيعون أن يطرحوا مشروعهم بشكل واضح ومباشر، فعليهم أن يتبعوا أسلوبًا خاصًا في العمل السياسي وهو الازدواجية في الخطاب. وكما تقول شاديا دروري، المهتمة بدراسة العلاقة بين شتراوس والمحافظين الجدد “إن المشكلة مع أتباع شتراوس هو أنهم غارقون في الباطنية، لأنه كان مقتنعًا بأن الحقيقة قاسية ولا يتحملها المجتمع وبأن حاملي الحقيقة مضطهدون من قبل المجتمع، خصوصاً المجتمع الليبرالي؛ لأن الديموقراطية الليبرالية – بحسب شتراوس- تبعد الفرد عن الاحتكاك بالحقائق. ولا بد من الإشارة إلى أن كاتبي خطابات بوش وتشيني ورامسفلد، هم من أتباع مدرسة شتراوس”. (10)
الخاتمة
يبقى مدى ما ذكر سابقًا، مرهونًا بكل المتغيرات الدولية، أي أنه لا يمكن أن تكون ملفات السياسة الخارجية للدول ثابتة، لكن يجب معرفة الوقت الذي تُغير فيها الدول سياستها تجاه ملفات معينة. وأعتقد أن التحول من الديموقراطيين إلى الجمهوريين في الداخل الأميركي، يستوجب القراءة المتأنية لمعرفة كيف سترسم البرامج السياسة الخارجية الأميركية. ومما لا شك فيه، أن السعودية وبعض دول المنطقة، تأثرت حيال التراجع الأميركي في المنطقة، وذلك لما لها من أثر قوي على المجتمع الدولي عامة، والمصالح المشتركة مع الخليج بشكل خاص. لذا هي دعوة لمتابعة القراءة للسياسية الخارجية الحالية من خلال المناهج العلمية.

كاتب وباحث أكاديمي سعودي*

@AlmsaudAssaf

المراجع:
1 .cnn / Trump comes close to finding his red line :
2. cnn / Trump comes close to finding his red line in
3. The wall street journal / Clinton VS. Trump4

 Europe’s worst fears. .4

5 . CNN / European Union president 
6. the Atlantic / The Brilliant Incoherence 
7. Journal of Military and Strategic Studies http://soo.gd/T9HU

8. Milken review/ resident Trump’s Vision 

9.Washington post / It’ll take moret
10- السياسة الخارجية الأميركية بين مدرستين المحافظة الجديدة والواقعية، هادي قبيسي. الصفحة 17.

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر