السياسة البريطانية لمكافحة الإرهاب بحاجة للنظر فيما وراء الحدود

التاريخ والوقت : الأربعاء, 4 يوليو 2018

تحليل/ إدوارد وارش

 

تتجاهل الاستراتيجية الجديدة للمملكة المتحدة لمكافحة الإرهاب، الأولويات الخارجية، حيث يمكن مواجهة الإرهاب في منابعه. ففي الرابع من يونيو الجاري، نشرت الحكومة البريطانية أحدث إصداراتها من استراتيجية مكافحة الإرهاب، التي شهدت تطورًا ملحوظًا منذ بدايتها عام 2003؛ إذ تقوم تلك الاستراتيجية على أربع ركائز أساسية تتمثل في (المنع، والإعداد، والحماية، والمتابعة)، وتهدف إلى ضمان العمل من خلال نظام تعليمي يواجه التطرف في وقت مبكر.

ماذا تخبرنا النسخة الحديثة من تلك الاستراتيجية عن تصورات الحكومة البريطانية بشأن مكافحة الإرهاب، بل ما هي أولوياتها؟ ففي المقام الأول تحتاج الاستراتيجية، مراجعة توضح أن بريطانيا، ورغم تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن مباركته لها، فإنها تبدو وكأنها تتصرف في ضوء التحليل العالمي حول تنظيم ما يسمى بـ”داعش”، الذي يعتبر أن التنظيم الإرهابي لن يبقى فقط على قيد الحياة وفي حالة جيدة، بل إنه سيظل التهديد الإرهابي الأول للمملكة المتحدة والغرب عامة.

لم ينجح تنظيم “داعش” بأي حال في 18 دولة، وعلى خلاف 7 دول فقط خلال عام 2014، أكثر من أي وقت مضى. ولا تزال العمليات التي تقوم بها الجماعات التابعة للتنظيم، والخلايا الإرهابية، كما بدا بوضوح خلال الأسابيع الأخيرة في آسيا وأوروبا، فاعلة بشكل لا هوادة فيه. ففي نفس اليوم الذي تمَّ الإعلان فيه عن الاستراتيجية البريطانية الجديدة، حُكِم على واحدة من أصغر الشخصيات الإرهابية في بريطانيا كجزء من أول خلية إرهابية نسائية في البلاد كانت تنوي التخطيط لهجوم على المتحف البريطاني.

وتعرض النسخة الأخيرة للاستراتيجية، إطارًا عامًا لتبادل المعلومات الاستخباراتية بين الأجهزة الأمنية وسلطات السجون، وصولاً إلى اللجان الخيرية والحكومة المحلية. في حين ينبغي التركيز على تبادل المعلومات، إذ يبدو صعبًا أن نفهم أسباب مشاركة جميع المعلومات الممكنة عبر المؤسسات الحكومية بالفعل.

وكما تشير غالبية التقديرات، فإن الأجهزة الأمنية البريطانية تحتفظ بسجلات لنحو 20 ألف شخص على درجة من الأهمية، وربَّما لا يشكل  جميعهم تهديدًا مباشرًا. كما أن هناك قلقًا من تنامي عدد الأشخاص المدانين بارتكاب جرائم متصلة بالإرهاب، وكذلك يتنامى القلق تجاه الأفراد المزمع إطلاق سراحهم في المجتمع.

وتذهب تقديرات أخرى إلى التركيز المحلي على المعاملات المهمة، مثل تخزين المواد الكيميائية، أو السلع المحتمل أن تكون على قدر من الضرر، وكذا الحاجة إلى التفاعل مع الأشخاص الذين يتصرفون بطريقة مريبة عند قيادتهم للمركبات. كما تسمح المراجعات الحكومية بزيادة العاملين في قطاع الخدمات الأمنية للتعامل مع الشكوك والقلق المتزايد من جانب الجمهور وتهديدات الإرهاب، مع العلم أنه لم يتضح كيف ومن سيستفيد من ذلك على مستوى الأجهزة الاستخباراتية البريطانية الثلاثة M15وM16K  وGCHQ.

لكن كيف يتحقق ذلك؟ تكمن إجابة هذا السؤال في الصفحة رقم 70 منالتقرير، حيث تتحدد الأولويات الخارجية في ثماني صفحات فقط. فالأوساط الأكاديمية تشهد انقسامًا حول أسباب التطرف، إلا أن هذا الجدل لم يترجم إلى سياسة موضوعية. لكن هناك تحسينات لا شك في ذلك، حيث ينبغي الاعتراف بأن جهود مكافحة الإرهاب يجب توسيع نطاقها في الخارج، مع ضرورة الاعتراف صراحة بأن التهديد أصبح مشتتًا، وهي المشكلة التي كان بالإمكان تجنبها إذا تمَّ استخدام الجيش على نطاق أوسع.

لا يعني ذلك أن القوات الخاصة – على سبيل المثال – لا تعمل على خط المواجهة. وهنا نجد آثارًا لتمويل ذلك من خلال العمليات المقدمة بالمملكة المتحدة، مثل شبكة مكافحة الإرهاب والتطرف التابعة للكومنولث. لكن هذه الإجراءات بمفردها، التي أصبحت تمثل مشكلة كبيرة فيما بعد، وخاصة فيما يتعلق بالطرف عبر شمال إفريقيا على أعتاب أوروبا، لا تعد بمثابة استراتيجية عسكرية واسعة النطاق.

ويكتسب الهدف من هذا التعاون، سواء كان ثنائيًا أو متعدد الأطراف، درجة عالية من الأهمية، لكن الجميع، حتى الولايات المتحدة، تقوم بمراجعة عدد عناصر القوات الخاصة في إفريقيا مع التركيز على تقليص الحجم بسبب “الأولويات الأخرى”.

ولا يزال الضوء مُسَلَّطًا على الالتزام والتعاون الدولي، وبالتأكيد في أي شكل من أشكال التفاصيل أو الوضوح بالنسبة للجيش. فالاستراتيجية “تضع معظم البيض في سلة واحدة” من الوقاية المحلية. هنا نشير إلى الدور الحيوي الذي تقوم به تدابير مكافحة الإرهاب في الأماكن التي يكون فيها التعليم والعمل المحلي بالمجتمعات ذات الأهمية البالغة.

ومع ذلك، فإن أهم عناصر استراتيجية تنظيم “داعش”، تتمثل في التكنولوجيا والمنصات الإلكترونية التي يمكن من خلالها للتنظيمات الإرهابية استغلال الأفراد والعائلات برُمَّتها. وقد واصلت الخلايا النشطة والأفراد التابعون لها، على حد سواء، نشاطهم، وهو ما يرجح استمراره مع التركيز المتزايد على القدرات المحلية لمكافحة الإرهاب.

علاوة على ذلك، فإن ما يعلنه تنظيم “داعش” ليس مجرد أيديولوجية، بل عملية منظمة وملموسة تسعى إلى تحقيق أهدافها بأي ثمن. كما أنه من المبالغة هنا، أن نبسط النهج الذي يعتمده الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تجاه “داعش”، والذي يستنكر قدرة الجماعة على تنفيذ أجندتها السياسية بقوة عسكرية فعالة. فربَّما يتصرف مقاتلو “داعش” بوحشيه ويعتدون على الضحايا بلا تمييز، لكن يبقى هناك هدف سياسي يتأثر بمعتقداتهم في ظل الواقع الاجتماعي والاقتصادي المحيط.

أمَّا عن مستقبل تلك التوجهات، فبالنسبة للمملكة المتحدة، أو أي دولة ذات سيادة بقيت تحت تهديد الإرهاب، وذلك باعتراف الأجهزة الأمنية الخاصة بها، فإن السلطات تعمل باستمرار على وقف الهجمات الجديدة، وذلك لتجنب استراتيجية أكبر قوة، وعمليات لنقل مقدمةالإرهاب المحلي إلى مختلف مصادره الدولية.

وفي نهاية المطاف، يؤكد “داعش” أنه لا يزال يشكل أكبر تهديد للمواطنين البريطانيين، وذلك على الرغم من صعود اليمين المتطرف في المملكة المتحدة، وهو ما يُستبعد أن يهدأ في وقت قريب. حيث يبدي تنظيم القاعدة شكلاً متميزًا من التطرف الديني، مع إعادة توحيد أجزاء من آسيا والشرق الأوسط. كما لا يمكننا أن نرجع سبب التهديد الذي تشكله الجماعات الإرهابية إلى مساحة الأرض التي تحتلها حاليًا، ولكن – أيضًا – بسبب انتشار وحيوية أيديولوجيتها الخبيثة؛ وهو ما يعني إمكانية توقع حرب استنزاف طويلة في ظل المناخ الحالي والنهج المتبع في مكافحة الإرهاب.

فالمملكة المتحدة، بالإضافة إلى عدد من البلدان الأخرى، ليست في حاجة إلى العمل، داخليًا وخارجيًا، من أجل تحسين تبادل المعلومات الاستخباراتية وتطوير سياسة محلية متطورة فحسب، بل أن تكون – أيضًا – جادة بشأن الالتزام الدولي الذي يلتزم به السياسيون تجاه المواطنين في المقدمة الحقيقية للإرهاب الذي نشهده اليوم.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: موقع فير أوبزرفر

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر