السياسة الإسرائيلية في إفريقيا

التاريخ والوقت : الأحد, 15 يوليو 2018

 

لا تقتصر السياسة الإسرائيلية على الدائرة العربية ومساعيها الدائمة للقضاء على حقوق الفلسطينيين وحصر القضية الفلسطينية في أضيق حدودها، بل تمتد تلك السياسة إلى أوسع نطاق ممكن فيما يخدم الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية التي ترتكز على مفهوم موسع للأمن يجعل من المبادرات السياسية إحدى أذرع سياستها الخارجية لتلبية متطلبات الأمن القومي الإسرائيلي كما تصيغها النظرية الخاصة بالدولة العبرية، التي تطورت عبر الزمن منذ التأسيس عام 1948.

في هذا السياق، يأتي كتاب (الاختراق الإسرائيلي لإفريقيا) للأكاديمي الفلسطيني والخبير في الشؤون الإفريقية رائد حسنين، الذي ينطلق تناوله من إدراك قومي للجانب الإسرائيلي ككيان غريب على الجسد العربي، يمثل تحديات مصيرية تفرض على الجميع الوعي بها لمواجهتها.

يعد الكتاب تطويرًا لأطروحة أكاديمية قدّمها المؤلف للحصول على درجة الدكتوراه بجامعة القاهرة تحت عنوان (السياسة الإسرائيلية في القرن الإفريقي وأثرها على الأمن القومي العربي في الفترة الممتدة من عام 1993م.. حالة إريتريا أنموذجًا).

تستند السياسة الخارجية الإسرائيلية إلى اعتبارات المصالح والقناعات الأيديولوجية، وهو ما يتصل بطبيعة الدولة العبرية وخصائصها التي تميز كيان الدولة المصطنعة التي تقوم على ركائز توراتية توسعية، وهو ما ترجمته أهدافها الإقليمية التي تدور في محيط الشرق الأوسط بمعناه الموسع جغرافيًا من المغرب العربي حتى أفغانستان.

وقد ترجمت الاستراتيجية الإسرائيلية غاياتها الإقليمية في هدفين متلازمين هما: الهيمنة والسيطرة في إطار محيط الشرق أوسطي، والثاني هو شد أطراف نظم الجوار الإقليمية الكبرى بما يمكنها من تحقيق الاختراق والسيطرة المنشودة؛ وهو ما يسعى الكتاب لتحليله من خلال عرض أبرز أهداف ومحددات السياسة الإسرائيلية تجاه إفريقيا.

يطلق الكتاب عددًا من القضايا المهمة المرتبطة بالوجود الصهيوني في قارة إفريقيا، بما يجعل من مسألة الثابت والمتغير في الأهداف الإسرائيلية والأدوات التي تستخدمها “تل أبيب” لتحقيقها، قضية محورية من أول سطر بالكتاب حتى آخره، مع التركيز على ارتباط ذلك بالأمن القومي العربي.

لقد تطور العلاقات الإسرائيلية الإفريقية منذ منتصف القرن العشرين، وقد مرت بمراحل متعددة كان أبرزها وأخطرها لإسرائيل، حيث شهدت إسرائيل في مرحلة الستينيات تحديات كبيرة في حركتها الإفريقية، تجلت في إحجام إسرائيل عن إدانة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا نتيجة الطفرة التي شهدتها العلاقات بين “تل أبيب” و”جوهانسبرج” على خلفية الجهود الدبلوماسية التي بذلتها إسرائيل لإقناع النظام الحاكم في جنوب إفريقيا بإمكانية التعويل على دعم المؤسسة العسكرية وتدريبها وتوفير ما تحتاجه جنوب إفريقيا في تلك المرحلة. بالإضافة إلى ذلك، جاء الصمت الإسرائيلي على التجارب النووية الفرنسية في إفريقيا ليضاف إلى تلك التحديات.

في هذه الأجواء، تنامى الحضور العربي في القارة الإفريقية، ولا سيَّما المصري، في أعقاب ثورة 23 يوليو 1952 ليضيف تحديًا كبيرًا أمام إسرائيل في القارة السمراء.

وخلال حقبة السبعينيات برزت المقاطعة الإفريقية لإسرائيل، التي بلغت ذروتها في التضامن الإفريقي مع الجانب العربي في أعقاب حرب أكتوبر 1973، ثم عادت العلاقات بين إسرائيل والدول الإفريقية في اتجاهات متقاربة، وشهدت تغيرات عميقة على مستوى الأهداف والسياسات.

في خلال الفترة من 1991-2011 بلغ التقارب بين إسرائيل والدول الإفريقية ذروتها فيما يسميها الأكاديمي المصري حمدي عبدالرحمن بـ”سياسات التطبيع وعودة الروح”؛ إذ شهدت تلك المرحلة إعادة تأسيس العلاقات بين الجانبين بشكلٍ تفاعل بشدة مع كافة المتغيرات المؤثرة في تلك العلاقات.

فمن جانب تمَّ توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية والانسحاب الإسرائيلي من شبه جزيرة سيناء، ثم توقيع اتفاق “أوسلو” مع الفلسطينيين عام 1993، واتفاق السلام مع الأردن عام 1994. ومن جانب آخر، اشتكى الأفارقة من عدم جدية العرب بتقديم المساعدات التي وُعِدُوا بها. كما يشير الكاتب إلى عدم فعالية حركة التعاون العربي الإفريقي بعد النتائج الهزلية التي أفرزتها القمة الأفروعربية عام 1977، كما أبدى الإسرائيليون مخاوفهم من السياسات الليبية في عهد معمر القذافي، وخاصة بعد الاتحاد السوفيتي الذي قدَّم الدعم لعدد كبير من الدول الإفريقية خلال مرحلة الحرب الباردة. بجانب ذلك، فقد أبدى الأفارقة استياءهم من الصراعات العربية العربية، لا سيَّما بعد توقيع اتفاقات “كامب ديفيد”، ليجد الأفارقة أنفسهم في حل من التضامن مع الجانب العربي، حيث امتزج كل ما سبق ليتجه الأفارقة نحو إسرائيل لتعويض القصور العربي، إضافة إلى أنهم رأوا في “تل أبيب” الداعم والوسيط بينهم وبين القوى الليبرالية التي عكست انتصار الرأسمالية على القوى الاشتراكية خلال فترة الحرب الباردة.

لم يغب الصراع العربي الإسرائيلي عن العلاقات الإسرائيلية، بل إنه مثل الغاية الأساسية لها، حيث رأت “تل أبيب” الداعم لموقفها في مواجهة الجانب العربي، سواء في المحافل الدولية، أو للتعويض عن التردي الاقتصادي الناتج عن إحجام الدول العربية عن تفعيل التطبيع على المستوى الشعبي بين الجماهير العربية، وهو ما وجدت إسرائيل فيه بديلاً إفريقيًا لتعزيز موقفها في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي.

ومن أهم الدوائر التي تحركت فيها إسرائيل، هي دائرة حوض النيل لما لها من أهمية محورية في منظومة الأمن القومي العربي من خلال مركزية مياه النيل على الأمن المائي لدولتين من أهم وأكبر الدول العربية، مثل مصر والسودان، حيث تمثل مياه النيل للمصريين مصدرًا رئيسًا للمياه، ما يجعل من أي تحرك إسرائيلي في أعالي النيل مصدرًا للتهديد المباشر للأمن القومي المصري، والسوداني كذلك.

يرصد المؤلف تعددًا ملحوظًا للدوائر التي شكلت في مجملها العلاقات الإفريقية الإسرائيلية، حيث لم تقتصر على دائرة حوض النيل، فاتسعت لتشمل غرب إفريقيا، وجنوبها وبقية الأقاليم، وقد استخدمت إسرائيل مزيجًا من الأدوات لتنفيذ أهدافها من الدبلوماسية، والاقتصاد، والمساعدات الفنية، والتعاون العسكري، وغيره.

يختم الكتاب نقاشه بضرورة وضع تصور عام لسبل استعادة الدول العربية بالقارة الإفريقية من خلال إعادة تصحيح المفاهيم العامة التي تحكم العلاقات العربية الإفريقية، والتي تعكس المخزون الثقافي والحضاري المتعلق بالعروبة والإسلام والقارة الإفريقية، وضرورة إزالة أي احتمالات للصدام في إطار العلاقات العربية العربية.

في ضوء ذلك، ينبغي عدم اختزال العلاقات مع دول المنطقة في مجال واحد من المقايضات السياسية والمقابل التجاري؛ لذا ينبغي إقامة شراكة حقيقية في إطار منظومة دول الجنوب، ويمكن أن تتحقق الشراكة عبر مناهج ومسارات متكاملة ثنائية وإقليمية.

ويتطرق الكاتب – أيضًا – إلى ضرورة الاتفاق على أسس جديدة للتعاون بين العالمين العربي والإفريقي بما يحقق المصلحة المشتركة، ويطرح أهمية دور منظمات المجتمع المدني، مع التركيز على وسائل القوة الناعمة لبعض الدول العربية، مثل: المملكة العربية السعودية ومصر.

بالنظر إلى ما جاء في الكتاب، نجد أن سبيلاً عربيًا آخذًا في التشكل تقوده المملكة العربية السعودية خلال الفترة الأخيرة، وفي إطار الرؤية الاستراتيجية الطموحة “رؤية السعودية 2030” التي لم تقتصر على الداخل السعودي بقدر إعادة النظر في منظومة العلاقات الخارجية للمملكة واعتبارها رأس حربة لتأمين منظومة الأمن القومي العربي.

لقد جاءت السياسة السعودية، خلال الآونة الأخيرة، متسقة مع ما جاء بهذا الكتاب الذي يقدمه واحد من خبراء العلاقات العربية الإفريقية، حيث تناغمت أهم استنتاجاته وتوصياته مع التوجهات السعودية الأخيرة لمواجهة التحديات الاستراتيجية التي تهدد الأمن القومي العربي، ليس من جانب الكيان الصهيوني فحسب، بل بمواجهة العبث الإيراني بالقارة الإفريقية الغنية بالموارد، التي أنهكتها الحروب الأهلية، والتي يطمح أبناؤها – في الوقت نفسه – لتبني استراتيجيات تنموية تجعل من الاستعانة بالقوى الخارجية مفتاحًا لتلك التوجهات.

هنا تسعى السياسة السعودية لأن تقوم بذلك الدور المفتاحي والرئيس لقيادة تضامن عربي إفريقي من خلال فعاليات القمم العربية الإفريقية، وكذا الإفريقية في محيط العالم الإسلامي الذي تقوده المملكة.

معلومات الكتاب

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر