السراب: كتاب يخوض في عمق التطرف والإرهاب في الشرق الأوسط

التاريخ والوقت : الأربعاء, 24 أكتوبر 2018

بعد كتابه (آفاق العصر الأميركي) الذي تتبع فيه ديناميات النظام العالمي الجديد، وآفاق السلوك الأميركي فيه، راح الدكتور جمال سند السويدي، رئيس مركز الإمارات للدراسات الاستراتيجية، يلفت الانتباه إلى مخاطر وتداعيات تيارات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط وعلاقاتها بديناميات العولمة ومساعي الولايات المتحدة الأميركية للهيمنة على مفاصل النظام العالمي، وذلك من خلال كتابه (السراب)، الذي يتتبع فيه دقائق وتفاصيل صعود واتجاهات قوى التطرف والإرهاب في الشرق الأوسط، مع ربطها، سياسيًا وسوسيولوجيًا، بواقع السياق الإقليمي في الشرق الأوسط.

ينطلق الكاتب في (السراب) من فكرة محورية تقوم على أن تفكيك عناصر المشهد الراهن في العلاقات الدولية وصداها وانعكاساتها وتأثيراتها في العالمين العربي والإسلامي، لا ينبغي أن يتوقف عند حد فهم محركات هذه العلاقات وآليات الصراع والتنافس والتعاون الدائرة ضمنها، بل ينبغي – أيضًا – السعي نحو اكتشاف المعوقات الحقيقية التي تحول دون تفاعل كثير من دول العالمين العربي والإسلامي بجدية مع الواقع العالمي الراهن. وفي مقدمة هذه المعوقات ارتهان كثير من الدول والمجتمعات لأيديولوجيا الجماعات الدينية السياسية التي باتت أفكارها تمثل، فعلاً لا قولاً، إحدى عقبات التنمية والتطور والحداثة في هذه المجتمعات. ومن ثَمَّ يأتي ربط الجماعات الدينية السياسية بحالتي الكفر والإيمان، أو “توصيف” أوضاعها العقائدية، فيربط الكاتب الواقع بمفهوم “السراب” ودلالاته في الآية القرآنية (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ). وهنا يرى الكاتب أن حال الملايين من شعوب بعض الدول العربية والإسلامية ممن ظنوا في الجماعات الدينية وتحقيق طموحاتهم التنموية والعبور بمجتمعاتهم إلى بر الحداثة والتطور، أقرب إلى حال من خُدِع بظاهرة السراب التي يخيل للناظر أنها شيء وهي ليست بشيء، بل إنها بعد فترة وجيزة تذهب كلية فلا عين ولا أثر. وقد كان العرب الأقدمون يضربون بالسراب المثل على الكذب، وعلى كل أمر لا حقيقة له في واقع الحياة.

يذهب الكاتب إلى أن ثمة قواسم مشتركة عديدة بين السراب في تجلياته السياسية التي يتناولها الكتاب، والسراب كظاهرة طبيعية، ولكن أكثر ما يلفت الانتباه في هذه المشتركات أن المعادلة الفيزيائية لظاهرة السراب تكمن في قوله تعالى (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا). وثمة مشتركات أخرى بين السراب في حالته أيضًا، فهو في الطبيعة خدعة بصرية ضوئية تحدث نتيجة ظروف البيئة المحيطة من اشتداد الحرارة، والأرض المستوية، واختلاف في معامل الانكسار، ما ينتج عنه حالة توهج شديدة، حيث تبدو كالماء الذي يلتصق بالأرض ليعكس صورًا وهمية للأجسام وكأنها منعكسة عن سطح مرآة كبيرة. أمَّا في حالة الانخداع بالجماعة الدينية السياسية، فإن البيئة المحيطة قد لعبت دورًا بارزًا في بلورة هذه الحالة، حيث استغلت هذه الجماعات الأوضاع المعيشية والأيديولوجية وحالة الفراغ والفوضى السياسية الناجمة عن التحولات الأخيرة التي أسقطت العديد من أنظمة الحكم في العالمين العربي والإسلامي وبالقدر ذاته الذي استغلت الهوة بين الشعوب وأنظمتها الحاكمة من جهة، وحالة التدين الفطري لدى الشعوب العربية والإسلامية وميلها إلى الدين في أوقات الأزمات، ومن ثَمَّ اللجوء إلى من يتحدث باسمه في فترات الاضطراب التاريخي من جهة أخرى، حيث تنشط ديناميات إحياء الجذور الدينية للحصول على دواء للإشكاليات الحياتية التي لا تستطيع الدولة القيام بأي شيء تجاهها، فضلاً عن توافر الظروف التي أسهمت في انتشار الأفكار المتشددة، ووفرت الإطار المجتمعي الحاضن لها؛ والمعنى في ذلك أن توافر شروط حدوث الظهرة كفيل باستدعائها وتحققها، ما يستوجب بالتبعية النظر في هذه الشروط ومحاولة تلافيها، باعتبار أن معالجة المقدمات ضمانة لعدم ظهور النتائج.

يشير الكاتب إلى أن الأحداث والتطورات المتلاحقة في العالمين العربي والإسلامي، منذ بداية القرن الحادي والعشرين، التي شكلت – وفقًا للبعض – تهديدًا لمعادلات القوى وتوازناتها التي ظلت سائدة لعقود بين الدول والقوى الإقليمية، إضافة إلى المحددات والتغيرات المتسارعة التي شهدها النظام العالمي، مساحة خصبة لصعود تنظيم “داعش” في الأراضي السورية والعراقية، وتلويحه بامتداد خلافته المزعومة – جغرافيًا وسياسيًا – نحو فضاءات مجاورة، بعد إعلاء الطائفية واتخاذ التكفير والعنف نهجًا دمويًا في نطاق تحركه ضمن خريطته الافتراضية لحدود خلافته الإسلامية الافتراضية التي شملت ضمن نطاق “خلافاتها” دولاً مثل العراق وسوريا والأردن وفلسطين ولبنان والدول الخليجية.

وقد سمحت ظروف الأزمة السورية بصعود تنظيم “داعش”، كما تنامت قوة سيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي العراقية، وسط مشهد داخلي زاخر بمظاهر الفوضى الأمنية والفرقة والتناحر المذهبي الذي يدفع باتجاه الحرب الأهلية ويفتح المجال أمام سيناريوهات التفكك والتقسيم؛ ما يجعل العراق ساحة مفتوحة الاحتمالات، إمَّا نحو حوار وطني شامل يستهدف بناء ديمقراطية توافقية دونما إقصاء، وبما يسهم في انحسار نفوذ تنظيم داعش واحتواء خطره، وإمَّا نحو انتكاسة طائفية جديدة أسوة بأحداث عام 2008، غداة الصدام بين الفصائل الإسلامية الشيعية والسنية، بما يدعم فرص استمرار الأزمة العراقية وتراجع الحلول السياسية لمصلحة تعزيز قوة تنظيم “داعش” وهيمنته على مناطق أخرى.

وقد دفع صعود “داعش”، وارتفاع وتيرة جرائمه ضد المدنيين في ساحات تحركه بالولايات المتحدة الأميركية، إلى تشكيل تحالف دولي مضاد له، تمت ترجمته في عقد اجتماعات متوالية لوزير الخارجية الأميركي، جون كيري، مع وزراء خارجية الدول العربية، وقصف مواقعه في العراق وشمال سوريا من الجو، حيث كانت واشنطن قد أقدمت على ذلك فعليًا في شهر 2014.

يعرض الكاتب حالة الاستنفار الدولي والإقليمي ضد تنظيم “داعش”، التي عكست إدراكًا واسعًا لخطورة التهديدات التي يمثلها هذا التنظيم، ليس على أمن الدول العربية والإسلامية واستقرارها فقط، وإنما على الأمن والسلم الدوليين أيضًا، وهو الأمر الذي تمَّ التعبير عنه بوضوح في قرار مجلس الأمن رقم 2170 الصادر في 15 أغسطس 2014، والبيان الختامي الصادر عن الاجتماع العربي الأميركي الذي عقد في مدينة جدة السعودية في 11 سبتمبر 2014، وكذلك البيان الصادر عن المؤتمر الدولي بشأن الأمن والسلام في العراق الذي عقد في باريس بحضور 26 دولة في 15 سبتمبر 2014؛ أكدت جميعها رفض الممارسات الإرهابية من جانب “داعش” وغيره من التنظيمات المتطرفة وضرورة التصدي الحازم لها.

ينتهي الكاتب إلى الخلاصات التالية:

أولاً، لا تختلف الجماعات الدينية السياسية عن غيرها من الأحزاب والتيارات السياسية، تقليدية كانت أو متشددة، في أنها تسعى جميعها للوصول إلى السلطة والحكم، لتحقيق مصالح نخبة معينة من المجتمع، ولفرض أيديولوجيتها على مؤسسات الدولة والمجتمع، لكن الجماعات الدينية السياسية تختلف عن غيرها من القوى السياسية في أن الحكم أولوياتها المطلقة، بغض النظر عن طريقة الوصول إليه، إذ يمكن أن تصل عن طريق الانتخابات كما حدث في تركيا منتصف التسعينيات، ومصر وتونس عام 2012.

ثانيًا، فشل الجماعات الدينية السياسية في وضع برامج ومشروعات وخطط متكاملة من النواحي المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سوى تلك الشعارات والعناوين العريضة دينية الطابع. وما استطاعت هذه الجماعات تجميعه من مصادر الشريعة الاسلامية، أدى بها إلى محدودية الزمان والمكان، فقد اضطرت سياسيًا إلى أن تحدد لنفسها نطاقًا مؤسسيًا هو الخلافة الإسلامية، لأنها عقائديًا حصرت طرحها بالدين وبالعودة إلى السلف الصالح كمعيار للقيم والأهداف، ثم أوجدت لنفسها في مرحلة لاحقة إطارًا مؤسسيًا آخر هو الخلافة العثمانية.

ثالثًا، يبدو مستقبل الجماعات الدينية السياسية رهن التعاطي مع مشكلتين رئيسيتين تجعلان مستقبلها أمرًا صعب التحديد والتنبؤ، وتتمثل المشكلة المستعصية الأولى في وجود التنظيمات الجهادية، بسماتها المتنوعة الإرهابية، والمتشددة والرافضة لكل مساومة، التي صبغت كل شيء ديني التوجه بصبغة العنف، بالرغم من أن الإسلام لا يدعو إلى الحرب من دون هدف شرعي، وعدم اقتناع الأغلبية الساحقة من المسلمين بفكرة التنظيمات الجهادية ما يضع هذه التنظيمات في مواجهة دائمة ليس مع الآخر فقط، ولكن مع مجتمعاتها ودولها أيضًا. أمَّا المشكلة الثانية، فتتمثل في فكر الإسلام السياسي وخصائصه، إذ يتطلب أي تغيير محتمل في المسار قرارًا من هذا التيار بالتخلي عن أفكاره ومحدداته المرجعية، وهذا أمر مشكوك فيه في ظل المعطيات الراهنة، ولا سيَّما ما يتعلق بتفسيراته الضيقة والجامدة للنصوص الدينية المستقاة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. وإذا تخلى عن هدف تأسيس الخلافة الإسلامية، أو عن مبدأ العودة إلى السلف وآليات عمله في عالم معولم ودائم التغيير، وهذان مبدآن أساسيان من أيديولوجيته، فإنه سيواجه إشكالين صعبين: الأول هو أنه سيفقد تأييد الكثير من الذين اقتنعوا بأنه سيخلصهم من مشكلاتهم الحياتية، لأنه لم يعد معصومًا دينيًا. والآخر هو أنه سيصبح كأي حزب سياسي آخر، ليس له هالة دينية يستخدمها للحصول على تأييد الناس العاديين أو تعاطفهم.

أخيرًا، واستطرادًا لهذه النتائج، ينتهي الكاتب إلى أنه من المتوقع أن تبقى الجماعات الدينية على هوامش الحياة السياسية في العالمين العربي والإسلامي في المديين القصير والمتوسط على أقل التقديرات، إذا بقيت لها أي شرعية قانونية وسياسية وشعبية تذكر، فهي قد استغلت موجة التغيير العربية ولم تلعب دورًا في انطلاقتها، ووصلت إلى الحكم لتبرهن على أنها فاشلة سياسيًا واقتصاديًا، حتى إنها باتت تشكل خطرًا أمنيًا على استقرار دولها، سواء كانت في مصر أو تونس أو ليبيا أو باكستان أو أفغانستان  أو السودان، أو حتى في دول أخرى مثل نيجيريا.

معلومات الكتاب

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر