الرؤى التنموية في العالم العربي.. الطموحات والتحديات

التاريخ والوقت : الأحد, 31 مارس 2019

على غرار معظم المصطلحات المتعلقة بالعلوم الإنسانية، يأتي مصطلح التنمية ليفتح أمام سامعه العديد من التفسيرات والاتجاهات، فمفهوم التنمية نشأ مع نشأة البشرية، وأصبح موضوع التنمية موضوعًا هامًا يلقى اهتمامًا من الباحثين في ميادين السياسة والاقتصاد والاجتماع، واعتبرته المنظمات العالمية، على رأسها منظمة الأمم المتحدة للتنمية، حقًا مكرسًا لكل الشعوب.

ومن الجدير بالذكر أن عملية التنمية بمفهومها الإنساني هي “عملية ديناميكية تتكون من سلسلة من التغيرات في المجتمع وتحدث نتيجة للتدخل في توجيه حجم ونوعية الموارد المتاحة للمجتمع، وذلك لرفع مستوى رفاهية الغالبية من أفراده. وإذا اتجهنا للمفهوم الاقتصادي، فسنجد أن التنمية تعني استحداث أساليب إنتاجية جديدة أفضل ورفع مستويات الإنتاج، من خلال تنمية المهارات والطاقات، وهي العملية التي من خلالها نحاول زيادة متوسط نصيب الفرد”.(1)

ولا شك أن الدول العربية كباقي أقرانها من دول العالم تتطلع بدرجة واضحة إلى تحقيق التنمية في مختلف المجالات، إلا أنها يقابلها بعض التحديات والعقبات التي يجب إزالتها لتحقيق ما ترنو إليه، وهو ما نستدل عليه من “رؤية السعودية 2030″، واستراتيجية التنمية المستدامة لمصر 2030، فضلاً عن رؤية الإمارات 2021، ورؤية الكويت 2035.

السعودية ورؤيتها التنموية 2030

من المعروف أن المملكة العربية السعودية من الدول ذات المكانة الاقتصادية البارزة في المحور العربي، ولا جدال حول سعيها للتنمية بجميع أشكالها وفي جميع مجالاتها، وهو ما يتضح من وضع الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، لـ”رؤية السعودية 2030″ التي تضمنت ركائز عدة لتحقيق التنمية بالمملكة؛ إذ انها قائمة بالأساس على القدرات الاستثمارية للمملكة، وإيجاد موارد إضافية للاقتصاد، والموقع الاستراتيجي الهام للمملكة الذي جعلها مركز ربط للقارات الثلاث(2)، بالإضافة إلى أن كل عنوان عريض فيها ينطوي على ما لا يمكن حصره من مشاريع ومبادرات وخطوات تنفيذية محدَّدة.

وهو ما يجعلنا نرى بوضوح وجود عدة مستويات ومفاهيم للتنمية بـ”رؤية السعودية 2030″، حيث شملت:

– المفهوم الاقتصادي للتنمية: عدة جوانب اقتصادية شملتها “رؤية السعودية 2030″، تبرز أهمية الاقتصاد كمحدد لسياسة ومكانة المملكة، وهذا ما نستدل عليه من الحديث عن وجود موارد اقتصادية هامة للمملكة وثروات طبيعية كالبترول والفوسفات والذهب.

– التنمية بمفهومها الاجتماعي: ظهر ذلك من خلال الحديث عن كون “الثروة البشرية” هي ثروة المملكة الأولى، ويظهر هذا من حديث ولي العهد السعودي أن” تلك الثروة لا تعادلها ثروة مهما بلغت: شعبٌ طموحٌ، معظمُه من الشباب، هو فخر بلادنا وضمانُ مستقبلها بعون الله، ولا ننسى أنه بسواعد أبنائها قامت هذه الدولة في ظروف بالغة الصعوبة”.

– التنمية على المستوى الإداري:الحديث عن تنمية وتطوير أساليب الإدارة كان حاضرًا في “رؤية السعودية 2030” أيضًا، من خلال العمل على تخفيف الإجراءات البيروقراطية الطويلة، وتوسيع دائرة الخدمات الإلكترونية، واعتماد الشفافية والمحاسبة الفورية.

– “رؤية السعودية 2030” تضمنت – أيضًا – ضرورة العمل على تطوير المدن واستكمال المتطلبات والاحتياجات والحد من التلوث، بالإضافة إلى تطوير منظومة الخدمات الاجتماعية لتكون أكثر كفاءة، وتوصيل الدعم لمستحقيه، فضلاً عن إعداد مناهج تعليمية متطورة تركز على المهارات الأساسية، وهو ما يبرز شمولها لجميع مناحي التنمية.(3)

مصر والتنمية المستدامة 2030

من الواضح أن الاتجاه نحو التنمية وصياغة رؤية تنموية ازداد في الدول العربية. فمصر – أيضًا – كنظيرتها السعودية، قد وضعت “استراتيجية التنمية المستدامة 2030” التي نرى أنها تمثل محطة أساسية في مسيرة التنمية في مصر تربط الحاضر بالمستقبل وتستلهم إنجازات الحضارة المصرية، لتبني مسيرة تنموية وا​​​ضحة.(4)

ولعل احتواء استراتيجية التنمية المستدامة لمصر على عدة محاور وموضوعات أساسية، يعكس صورة واضحة لشمول الرؤية، إذ تشتمل على محاور التنمية الاقتصادية، والبيئة، والمعرفة، والابتكار، والعدالة الاجتماعية.

– شمول الرؤية لضرورة تحقيق التغطية الصحية الشاملة لجميع المصريين مع ضمان جودة الخدمات المقدمة، وهي مسألة هامة جدًا، فلا شك أن الاهتمام بالعنصر البشري هو أساس تحقيق التنمية.

– الاهتمام بالجانب الزراعي لمصر كان حاضرًا أيضًا، وهو من الموضوعات المستهدفة في خطة التنمية المستدامة، ونستدل على ذلك من الرغبة في العمل على تطوير التكنولوجيا الزراعية ضمن خطة التنمية الاقتصادية، والتطلع إلى التوسع الزراعي الأفقي؛ وهو ما يوضح أن واضعي الرؤية لم يغفلوا أهمية الزراعة كمحدد هام من محددات الاقتصاد المصري.

– وإدراكًا لأهمية التعليم، فقد كان بارزًا في محتوى رؤية التنمية المستدامة 2030، وهو ما نستدل عليه من الرغبة في الوصول بمتوسط عدد الطلاب في الفصل في عام 2030 إلى 36 طالبًا، بالإضافة إلى الوصول بمعدلات القيد في رياض الأطفال إلى 80% في عام 2030.

– المساواة بين الجنسين: رغبة مصر في الوصول للترتيب الدولي رقم 60 في مؤشر الفجوة بين الجنسين في 2030(5)، نستدل منها على شمول الرؤية والإدراك لأهمية المساواة بين الجنسين وأهمية حصول المرأة على حقوقها.

رؤية الإمارات 2021

لعل رؤية الإمارات 2021 التي تمَّ إطلاقها من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، في اجتماع مجلس الوزراء في عام 2010، هي رؤية تنموية أخرى لدولة عربية هامة كالإمارات.

الرؤية شملت عدة محاور هامة وأبرزها:

– نظام صحي بمعايير عالمية: يبدو أن الإدارة الإماراتية مدركة جيدًا أهمية الاهتمام بصحة العامل البشري من أجل تحقيق التنمية؛ لذا فقد أولت الصحة اهتمامًا كبيرًا في رؤيتها التنموية، وهو ما نستدل عليه من كون الأجندة الوطنية لرؤية الإمارات 2021 تتطلع إلى تطبيق نظام صحي يستند إلى أعلى المعايير العالمية.

– اقتصاد تنافسي معرفي مبني على الابتكار: القيادة الإماراتية يبدو أنها مدركة أهمية اقتصادها والسعي لجعله قائمًا على التنافسية والابتكار، وهو ما جعلها تضعه كمحور رئيسي في رؤيتها، بيد أنها مدركة أن السنوات القادمة ستشهد تحولات اقتصادية كبيرة عالميًا، مما جعلها تهدف – في رؤيتها – إلى أن تكون في قلب هذه التحولات.

– نظام تعليمي رفيع المستوى: على غرار السعودية ومصر، من الواضح أن الإمارات مدركة أهمية الاهتمام بالعنصر البشري لأنه هو من سيقود التنمية، وهو ما نستدل عليه من كونها أولت اهتمامًا خاصًا بالتعليم في رؤيتها، من خلال كون الأجندة الوطنية للتنمية تستهدف أن تكون جميع المدارس والجامعات مجهزة وجميع الطلاب مزودين بالأجهزة والأنظمة الذكية.

– مجتمع آمن وقضاء عادل: “العدل أساس الملك”، فإدراك الإمارات لتلك المقولة جعلها تولي اهتمامًا خاصًا بإرساء العدل للوصول للتنمية، حيث تسعى الأجندة الوطنية لرؤية الإمارات 2021 إلى أن تكون دولة الإمارات البقعة الأكثر أمانًا على المستوى العالمي.(6)

الكويت ورؤية 2035

الرؤى التنموية في العالم العربي لم تقف عند السعودية والإمارات ومصر، بل كانت الكويت – أيضًا – من الدول التي وضعت خطة تنموية جيدة تحت مسمى “رؤية الكويت 2035” أو “كويت جديدة”، شملت محاور عدة وأركانًا هامة تسعى لتحقيقها بحلول عام 2035، إذ تضمنت كلاً من:

– رأس مال بشري إبداعي: يبدو أن الدول العربية الأربع مدركة أهمية العنصر البشري في التنمية، فالكويت كنظيراتها الثلاث السابقات مدركة ذلك أيضًا، وأولته اهتمامًا خاصًا من خلال السعي إلى إصلاح نظام التعليم لإعداد الشباب بصورة أفضل ليصبحوا أعضاء يتمتعون بقدرات تنافسية.

– إدارة حكومية فاعلة: الاهتمام بتحسين الأداء الحكومة كان حاضرًا في رؤية الكويت، وهو ما نستدل عليه من التطلع نحو إصلاح الممارسات الإدارية والبيروقراطية لتعزيز معايير الشفافية والمساءلة وفاعلية الجهاز الحكومي.

– اقتصاد متنوع مستدام: إدراك الإدارة الكويتية لأهمية الاقتصاد ظهر في تطلعها إلى تطوير اقتصاد مزدهر ومتنوع للحد من اعتماد الدولة الرئيسي على العائدات من صادرات النفط.

– رعاية صحية عالية الجودة: لم تغفل الإدارة الكويتية الاهتمام بصحة المواطن، وهو ما ظهر في تطلعها إلى تحسين جودة الخدمات وتطوير الكوادر الوطنية في نظام الرعاية الصحية وبتكلفة منخفضة.(7)

رؤية مملكة البحرين 2030

مملكة البحرين – أيضًا – من الدول العربية التي وضعت رؤية تنموية هامة، وهو ما ظهر في تناول الرؤية لعدة موضوعات ومحاور أساسية هامة، مثَّلت عرضًا متكاملاً لرؤية مملكة البحرين الاقتصادية، التي تضع تصورًا بعيد المدى للمسارات المستقبلية للاقتصاد الوطني خلال فترة زمنية تمتد حتى عام 2030.

الرؤية شملت مبادئ نراها هامة جدًا، مثل: التنافسية والعدالة والاستدامة، وهي مبادئ أساسية وضرورية لتحقيق النمو الاقتصادي.

مستويات عدة حجزت مكانًا لها في رؤية البحرين 2030 شملت:

– مستوى الاقتصاد: البحرين مدركة لأهمية الاقتصاد، وهو ما يتضح من تطلعها إلى تحقيق الطموحات المترابطة التالية لاقتصادها الوطني التي تهدف إلى تعزيز دور القطاع الخاص في ريادة التنمية الاقتصادية.

– مستوى الحكومة: إصلاح المعاملات الحكومية وجعلها فعالة إداريًا كان من الأساسيات التي أدركتها مملكة البحرين، وهو ما اتضح في تطلعها إلى أن يصبح القطاع العام أكثر إنتاجية، وأن يكون مسؤولاً عن تقديم خدمات ذات نوعية أعلى من خلال عمليات أكثر كفاءة.

– مستوى المجتمع: ولعل التطلع إلى مجتمع مزدهر كان من طموحات البحرين في رؤيتها أيضًا؛ إذ إنها ترنو إلى مستوى عال من المساعدات الاجتماعية يعطي جميع البحرينيين فرصًا متكافئة.(8)

 رؤية العراق 2030

العراق لحقت بركب الدول المتطلعة للتنمية ووضع الخطط في ذلك الشأن، فبعد سنوات من الخراب والدمار بات ذلك حتميًا.. لذا تناولت رؤية العراق عدة نقاط هامة يمكننا إبرازها في:

– الجميع سيشارك في بناء دولة مؤسسات عمادها العدالة وحكم القانون، والحياة بسلام وأمان، للوصول إلى إنسان ممكن في عراق آمن وموحد.. ويتضح ذلك من الرغبة في جمع شتات المجتمع ومحاربة الطائفية والإقصاء.

– بناء نظام اقتصادي يسعى لخلق سوق اجتماعي متنوع ومستقر في العراق عام 2030، وهو ما يبرز تطلع العراق للاستقرار بعد سنوات من التخريب.

– تحقيق بيئة نظيفة آمنة ومستدامة لجميع الأجيال، فضلاً عن القضاء على الفقر بجميع أشكاله وأبعاده، وإصلاح نظام الحماية الاجتماعية، ودعم وتمكين الفئات الهشة وتوفير الحياة الكريمة لهم، وهو ما نستدل منه على الاهتمام العراقي بالمستوى الاجتماعي للتنمية وضرورة القضاء على الفقر والتهميش.

– تمكين الشباب وخلق فرص العمل لهم من خلال تنشيط القطاع الخاص وتحقيق الشراكة معه.

– تعزيز ثقافة التسامح والحوار وتحقيق السلم المجتمعي، وترسيخ قيم الإنجاز والمبادرة وتشجيع العمل التطوعي، وهو ما نراه شرطًا هامًا لتحقيق التنمية في العراق، وتحديدًا بعد ما جنته العراق جراء التعصب وغياب التسامح.((9

تحديات عدة

تطلعات الدول العربية لتحقيق التنمية لا شك أنها تطلعات مشروعة، بالإضافة إلى كونها محاولات جاهدة لتحسين أوضاع شعوبها ورفع مهاراتهم وتحسين سبل معيشتهم بعد أن التزمَت الدول العربية، كبقية دول العالم، بتنفيذ أجندة التنمية وأهدافها المستدامة السبعة عشر التي أقرتها قمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة المنعقدة في نيويورك عام 2015، لاعتماد خطة التنمية المستدامة عام 2030.

* إلا أنه هنالك بعض العقبات والتحديات التي يجب التعامل معها لتسهيل طريقة التنمية وتحقيق تلك الرؤى وتنفيذ الخطط بشكل أفضل، ولعل أبرز تلك التحديات تتمثل في:

– من المعروف أن هناك تحديات سياسية وأمنية في المنطقة العربية، يمكن تقف حائلاً أمام تنفيذ أهداف التنمية المستدامة 2030، وهو ما أكده تقرير لـ(إسكوا) الذي نصَّ على أن “النزاعات المسلحة والصراعات التي تعيشها دول مثل: سوريا والعراق واليمن وليبيا، وظاهرة التطرف والإرهاب، أصبحت تهدد المجتمعات العربية، وتؤثر سلبًا على مكتسباتها التنموية”؛ لذا فإننا نرى أن الدول العربية عليها العمل بشكل فوري على تهدئة الأوضاع في تلك البقاع المشتعلة حتى تحفظ لنفسها دورًا هامًا في تحقيق خططها التنموية بشكل سلس.

– الصراعات العرقية والأيديولوجيات المختلفة في المنطقة العربية من المحتمل أن تزيد من العوائق لتحقيق أهداف التنمية أيضًا.

– معظم دول المنطقة مهددة بالانفجار الديموغرافي؛ فقد تضاعف عدد السكان خلال العقود الثلاثة الأخيرة وما زال العدد في ارتفاع مطرد.

– لا شك أن الإرهاب من أكبر العوائق – إن لم يكن أكبرها – أمام تحقيق التنمية. فظهور تنظيم “داعش” أدخل المنطقة في اضطراب كبير، جعل الدول العربية تُرسِّخ كل إمكاناتها لمحاربته، وإهمال تحقيق إصلاحات اقتصادية من شأنها خلق فرص عمل جديدة وتحقيق التنمية.(10)

-انهيار “الطبقة الوسطى” بحد ذاته من أهم التحديات التي تواجه الواقع العربي، وقد بدأت تضيق لصالح “الطبقة الدُنيا”، وذلك بعد أن زادت المتطلبات المعيشية.

 

وحدة الدراسات الاقتصادية

المراجع

1- التنمية من مفهوم تنمية الاقتصاد إلى مفهوم تنمية البشر.

https://bit.ly/2PNrK8S

2- رؤية السعودية2030، الموقع الرسمي.

https://bit.ly/2Ucd9u9

3- رأي في الرؤية، مركز الخليج لسياسات التنمية.

https://bit.ly/2CFQlJi

4- استراتيجية التنمية المستدامة – مصر2030، رئاسة مجلس الوزراء.

https://bit.ly/2urqHWT

5- 10 أهداف للتنمية المستدامة ضمن رؤية مصر 2030.. تعرف عليها، اليوم السابع.

https://bit.ly/2Oy45ua

6- رؤية 2021، الموقع الرسمي.

https://bit.ly/2oCeiLh

7- كويت جديدة.

https://bit.ly/2TLzoTa

8- رؤيتنا.. رؤية مملكة البحرين حتى عام 2030.

https://bit.ly/2QUND7w

9-  كيف سيكون العراق عام 2030 كما تراه وزارة التخطيط؟ ناس.

https://bit.ly/2uzfeBO

10- تحديات المنطقة العربية أمام تنفيذ أهداف التنمية المستدامة 2030، جيرون.

https://bit.ly/2TLAE8Q

11- الدول العربية أمام تحديات التنمية الشاملة لتلافي خطر السقوط، الحياة.

https://bit.ly/2OBbZDg

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر