الدولة في مواجهة الطلبة.. لماذا ينزعج “شي جين بينغ” من الماركسية في الصين؟

التاريخ والوقت : الخميس, 31 يناير 2019

بالدين سونام

 

ظلت الماركسية، من الناحية النظرية، فترة طويلة هي الأساس الأيديولوجي لنظام الحكم الذي يسيطر عليه الحزب الشيوعي في الصين. لكن من الناحية العملية، نجد أنه في حين تُستَخدَم الماركسية كأداة لحكم الحزب، فإن مبادئه ليست كذلك. ففي عهد الرئيس الصيني “شي جين بينغ” على وجه الخصوص، انطلقت موجة جديدة من الدعاية الأيديولوجية لتسويق عملية إعادة تقسيم الدولة والمجتمع بشكل متزايد.

في مايو 2018، وخلال الاحتفال بالذكرى الـ200 لميلاد “كارل ماركس”، أشاد “شي” بماركس باعتباره “أعظم مفكر في العصر الحديث”، ألهمت أفكاره مجتمعًا خاليًا من القمع والاستغلال. ويتم الترويج لدراسة الماركسية بنشاط من الفصول الدراسية في المناطق الداخلية إلى أروقة السلطة في بكين؛ حيث تمَّ إطلاق برامج تلفزيونية لموسيقى “الراب” ومسلسلات كرتونية للترويج للشيوعية والماركسية، بخاصة للصينيين ذوي الخبرة في التكنولوجيا. ويتضمن هذا الدفع الجديد للدراسات الأيديولوجية – أيضًا – فكرة “شي جين بينغ” التي وصفها كبير منظري الحزب بـ”الماركسية في الصين الحديثة”.

لذلك، وفي هذا المناخ المتجدد من الحب لـ”ماركس”، فإن رد فعل الحكومة على أنشطة الماركسيين الشباب في الصين مثير للاستغراب. ففي أغسطس 2018، اختفى 40 طالبًا ماركسيًا جاؤوا لدعم عمال لتشكيل نقابي في “شينزين” بعد أن دهمتهم السلطات. ذلك أنه في الصين، باستثناء الحزب الذي يسيطر على الاتحاد العام لنقابات العمال في الصين، لا يسمح بوجود اتحاد آخر. وفي نوفمبر 2018، احتجزت السلطات أكثر من اثني عشر طالبًا من جامعات “أولية” في أنحاء البلاد في محاولة منسقة على ما يبدو لتشديد الإجراءات المتعلقة بالعمل. ووقع الهجوم الأخير على الماركسيين في ديسمبر 2018، وكان ذلك متزامنًا مع ذكرى الـ120 لميلاد “ماو تسي تونغ”، وتمَّ الاعتداء على رئيس “جمعية الماركسيين” في جامعة بكين، عندما كان يستقل سيارته متوجهًا لحضور النصب التذكاري لمؤسس جمهورية الصين الشعبية.

إن هذه الحوادث وغيرها، تطرح التساؤل التالي: لماذا يتعامل الحزب الحاكم في الصين، وهو شيوعي بالدرجة الأولى، مع الشيوعيين الشباب بطريقة قمعية ومتعارضة مع الممارسات التي قام بها الحزب نفسه منذ فترة طويلة من خلال نظام التعليم الموجه أيديولوجيًا؟

في المقام الأول، يبرز نشاط الماركسيين الشباب حقيقة أن الحزب يسعى لمصالحه باستخدام واجهة “الماركسية”. وبالرغم من الخطاب المترفع للحزب، فإن العمال، ولا سيَّما المهاجرين منهم، والذين يعيشون حياتهم ويعملون في ظروف غير لائقة. وتؤدي محاولات الطلاب للدفاع عن حالة العمال إلى توسيع الفجوة بين الخطاب الرسمي والظروف الواقعية في البلاد. فبالنسبة إلى السلطات، فإن ذلك يمثل تهديدًا أكبر لقدرتها على تشكيل اتحاد صغير، ذلك أن الأول يكشف عن قدر من الازدواجية لديها، وهو ما يمثل بدوره تحديًا لا يُذكر.

وعلى الجانب الآخر، يتخوف الحزب – أيضًا – من الطبيعة المنظمة لمثل تلك الأنشطة، وخاصة أنها من قبل الطلاب، والتي ترتبط بذكرى الحركة الطلابية التي اندلعت في عام 1989، وهي تقترب من الذكرى السنوية الثلاثين في والتي تحل في شهر يونيو 2019. وبالإضافة إلى ذلك، تدرك السلطات الصينية قدرة الطلاب على التعبئة في عصر وسائل الإعلام الاجتماعية. وعلاوة على ذلك، فمن المرجح أن يكون الثمن السياسي للقمع العنيف لأي حركة طلابية مكلفًا بدرجة كبيرة. ففي هذا السياق، يبدو أن النظام يسعى لإجهاض أية بادرة جديدة للسخط والغضب قبل أن تتحول إلى كرة لهب كبيرة مثلما حدث عام 1989. ولعل ذلك يرجع إلى العديد من الاعتبارات، حيث يستهدف الحزب بقوة نشاطات الماركسيين الشباب على الرغم من المطالب الأخيرة للعمل الخاص بالوعي الطبقي.

إن الحزب الشيوعي الصيني ليس ماركسيًا بالمعنى الحقيقي لأصل المصطلح، وما يسمى بـ”التطفل على الماركسية” يُعدُّ مبررًا لاستخفافه بالمبادئ الأساسية للماركسية. فمنذ انضمام الأثرياء في عضويته عام 2002، أي خلال عهد “جيانغ تسه مين”، أصبح الحزب ناديًا لذوي المليارات والملايين. وفي الوقت الحالي، تشمل المستويات العليا من هرم السلطة أكثر من 100 ملياردير كأعضاء ومستشارين لقيادة الحزب الشيوعي الصيني. فقد غيَّرت العلاقة بين الأقوياء والأثرياء طبيعة الحزب من كونه حزبًا جماهيريًا إلى حزب تابع للنخبة مع تركيز أقل على الثورة، لكنه يركز بدرجة أكبر على تعزيز الذات. كما يلفت انتباه الطلاب والمدافعين عن مشكلات العمال إلى فشل الحزب في معالجة قضايا البروليتاريا والفلاحين الذين دفعوا أكبر ثمن للمعجزة الاقتصادية التي تحققت في الصين، وكان في مقدمة ذلك أراضيهم وأعمالهم، ولكنهم حصلوا على تقدير أقل من التنمية التي تلت ذلك.

وعلى الرغم من الدعوات الصاخبة لعلاقة الماركسية بواقع الصين ومستقبلها في ظل توجهات الحزب، فإن الصدع بين لغة الماركسية والواقع في الصين، لم يكن أكثر وضوحًا من ذي قبل. وبوجود مؤسساته في كل جانب من جوانب المجتمع الصيني، فإن الحزب يتمتع بالحرية في تفسير وتوظيف الماركسية تبعًا للظروف التي يمر بها، ذلك أنه يتمتع بالحق الحصري في اختيار أيديولوجية وتفسيرها في البلاد.

ومع ذلك، لم تكن حملات القمع التي شنها الحزب، أخيرًا، بلا رد فعل على المستوى الدولي. فعلى سبيل المثال، في أكتوبر 2018، أوقفت جامعة “كورنيل” برامج التبادل مع “جامعة رينيم” Renminبسبب فشل الأخيرة في احترام الحرية الأكاديمية لطلابها. وفي مثال آخر، في نوفمبر 2018، أعلن أكثر من 30 عالِمًا من بينهم “ناعوم تشومسكي” مقاطعتهم للمؤتمرات الماركسية في الصين بحجة أن مشاركتهم ستجعلهم متواطئين في الحملة التي تقودها الدولة ضد الطلاب الماركسيين.

وبوجه عام، فمن “ماو” إلى “شي”، سواء كان ذلك بسبب طبيعة السياسة الصينية التي تعاني من غياب الاهتمام الحقيقي بالماركسية، كان قادة الحزب أكثر “ميكافيلية” من الماركسيين. ويعتبرون الحفاظ على ديكتاتورية الحزب مسألة حتمية للحفاظ على سلطتهم داخل الحزب.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: أوراسيا ريفيو

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر