الدروس المستفادة من الأزمة المالية

التاريخ والوقت : الإثنين, 30 يوليو 2018

إن جورج مانكيو

 

ما هي أسباب الأزمة المالية لعام 2008؟ هل صانعو السياسة على استعداد للتعامل مع المرحلة التالية؟

إن لهذين السؤالين أهمية كبيرة بالنسبة لأي شخص مهتم بالتاريخ والسياسة والاقتصاد؛ فخلال العقد الماضي تطورت رؤية تقليدية للإجابة عن هذه الأسئلة. ومع ذلك، فقد ركزت العديد من الأدبيات التي اهتمت بتلك التساؤلات حول العقيدة الكامنة وراء تلك الأزمة، إذ تقدم منظورًا أكثر واقعية حول الماضي وتوقعات أقل تفاؤلاً حول المستقبل.

وباختصار، فإن الحكمة التقليدية تشير إلى أن الأمة الأميركية عانت من أزمة في الإسكان بمنتصف عام 2000، حيث قاد مزيج من الغباء والإهمال وسوء التصرف، مجموعة من شركات “وول ستريت” للقيام بمراهنات تنطوي على مخاطر مفرطة بشأن تلك المشكلة التي تعرف في علم الاقتصاد بـ”الفقاعة”، التي ستستمر إلى الأبد. ومن خلال الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية والأدوات ذات الصلة، قاموا بتزويد الائتمان إلى مشتريِّ المنازل بجودة ائتمانية مثيرة للريبة.

ولفترة من الوقت، أدى هذا التوسع الائتماني إلى تنامي تلك الفقاعة، لكن حينما انفجرت الفقاعة، عجز أصحاب المنازل الجدد عن مجاراتها، فانزلقت شركات “وول ستريت” نحو الإفلاس، حيث تأرجح النظام المالي برمَّته على حافة الانهيار، مما أدى إلى ركود عميق.

ومع اتجاه صانعي السياسة نحو تدارك الأزمة، قام “هنري بولسون”، وزير الخزانة، بإقناع الكونجرس بتمرير برنامج إغاثة للأصول المتعثرة، وهو ما استخدمه من خلفه “تيموثير ف. غيثنر” لإعادة رسملة البنوك، بمعنى إعادة تقييم رأسمالها. فقد قام “بن بيرنانكي” رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي بتوسيع أدوات السياسة النقدية لدعم النظام المالي والاقتصاد على نطاق أوسع.

خطواتهم الجريئة أنقذتنا من الكساد الكبير الآخر

ومن خلال هذه الرواية التقليدية نجد أن ممولي “وول ستريت” يبدون في صورة “الأشرار”، بينما يصبح صانعو السياسات هم “الأبطال”، وهو الرأي الذي روجه صانعو السياسات، وخاصة السيد “بيرنانكي” الذي أطلق عليه في مذكراته “الشجاعة في العمل”.

ومع ذلك، نجد من يلقي بظلال الشك على هذه الرواية، كما يفعل الخبير الاقتصادي في جامعة جونز هوبكنز “لورنس م بول” في كتاب جديد بعنوان (بنك الاحتياطي الفيدرالي، ويلمان براذرز)، حيث لا يعفي “بول” الممولين من بداية المشكلة، لكنه يلفت الانتباه إلى أن صانعي السياسة هم من فشلوا – في رأيه – في أداء وظائفهم في اللحظات الحاسمة.

فالبنوك المركزية، كالاحتياطي الفيدرالي، لديها مهمتان: الأولى هي تعديل العرض النقدي وأسعار الفائدة مع تغير الظروف الاقتصادية. والثانية هي المساعدة في ضمان سلامة النظام المالي. وكجزء من هذه المهمة الثانية، فإن البنوك المركزية تحتاج في بعض الأحيان إلى العمل كمقرض في المقام الأخير.

هنا نتذكر المشهد الذي يديره البنك في فيلم (إنها حياة رائعة) حينما قام الممثل “جيمس ستيوارت” بدور “جورج بيلي” رئيس جمعية البناء المحلي والقروض، يشرح فيه هشاشة الأعمال المصرفية. حتى إذا كان المصرف ذات أصول تتجاوز التزاماته، فإنه لا يستطيع إرضاء جميع المودعين لديه، إذا أصبحوا خائفين ورغبوا في سحب أموالهم دفعة واحدة.

ويمكن للبنك المركزي التغلب على مشكلة السيولة تلك عن طريق إقراض المؤسسات المالية التي تعاني من الركود. لهذا السبب يدعو قانون الاحتياطي الفيدرالي إلى “عملة مرنة”؛ إذ يجب أن يكون البنك المركزي حاضرًا بقوة حتى لا يحتاج “جورج بيلي” إلى الاعتماد على المصرفي السيئ هنري بوتر – أو حتى أصدقائه السيئين – من أجل ضخ نقدي مؤقت، لأن هناك حاجة للحفاظ على المبنى والقروض للوقوف على قدميه.

ووفقًا للسيد “بول”، فهنا يتضح المجال الذي يعمل فيه صانعو السياسة عام 2008، عندما بدأت الرهون العقارية في الارتفاع، حيث واجهت العديد من المؤسسات المالية اعتداء على التزاماتها قصيرة الأجل؛ فلم تكن هذه المطالبات في صورة ودائع مصرفية تقليدية، بل كانت عبارة عن اتفاقيات إعادة شراء، تسمى “ريبوس” repos. لكن القوى العاملة كانت متشابهة إلى حد بعيد.

ففي سبتمبر 2008 ، وجد العملاق المالي “ليمان براذرز” نفسه يواجه أزمة سيولة. ومع ذلك، دفع الاحتياطي الفيدرالي، بدلاً من التصرف كمقرض الملاذ الأخير، بنك ليمان إلى الإفلاس. وفي الأسابيع والأشهر التي تلت ذلك، اندلعت جميع المشكلات الكارثية.

هنا يثار التساؤل: لماذا لم يقم بنك الاحتياطي الفيدرالي بحل الأزمة عن طريق إقراض بنك ليمان؟ فالرواية التقليدية، التي يروج لها “بيرنانكي”، تشير إلى أن “ليمان” لم يكن لديه ضمانات كافية، وهو ما منع بنك الاحتياطي الفيدرالي من إقراضه، لكن الخبير الاقتصادي “بول” يسعى إلى دحض هذه الادعاءات في كتابه المذكور آنفًا.

إذ يجادل السيد “بول” بأنه من الضرورة أن نلقي نظرة متأنية على الشؤون المالية لبنك “ليمان” للتأكد من أنه كانت لديه ضمانات كافية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن السجل التاريخي لا يشير إلى أي دليل على أن مسؤولي بنك الاحتياطي الفيدرالي، في ذلك الوقت، كانت لديهم مخاوف بشأن عدم كفاية الضمانات؛ فقد ظهرت المطالبات بعدم كفاية الضمانات بعد أسابيع عندما أصبح التأثير الكامل لإفلاس “بنك ليمان” واضحًا، حيث  كان السيد “بول” يقترح، محاولة أخرى للتستر على خطأ في السياسة.

هنا نشير إلى أن أحد العناصر الرائعة في تلك القصة، هو الحالة الديناميكية بين السيد “بولسون” والسيد “بيرنانكي”، فقد كان قرار إقراض بنك ليمان من قبل الاحتياطي الفيدرالي سليمًا من الناحية القانونية، لكن يبدو أن السيد “بولسون” كان كمن يصوب النار نحو تلك الفكرة، فقد اتخذ خطًا متشددًا؛ لأنه بعد إنقاذ بنك “بير شتيرنز” في وقت سابق من هذا العام، أراد أن يتجنب التداعيات السياسية لوصفه بـ”السيد”؛ ذلك أن إرجاء “بيرنانكي” الأمر وإعادته إلى وزير الخزانة، يرجع جزئيًا إلى التصور الخاطئ بأن الأسواق ستفلس مثل “ليمان براذرز”.

وبنظرة مستقبلية نجد أن السيد “بول” ومن على شاكلته، يشعرون بالقلق إزاء الأزمة المالية القادمة، وهو ما يفسر زيادة القيود التي يتضمنها القانون على الإقراض الفيدرالي، مما صعَّب الأمر على بنك الاحتياطي الفيدرالي أن يتصرف كمقرض في المقام الأخير.

وأخيرًا، فإن الدرس الذي ينبغي أن تعلمه في هذا السياق، أنه في المرة القادمة التي تواجه فيها مؤسسة مالية كبرى نقصًا في السيولة، سيكون لدى الاحتياطي الفيدرالي الشجاعة للتصرف.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات*

المصدر: صحيفة “نيويورك تايمز”

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر