الحشد الشعبي.. مابين الواقع والطموح

التاريخ والوقت : الأربعاء, 28 نوفمبر 2018

مي الشريف

 

أربع سنوات مضت على فتوى المرجع الشيعي الكبير آية الله السيستاني، التي حثَّت على الجهاد ضد هجوم شنَّه تنظيم “داعش” داخل المدن العراقية، وتشكيل قوات مسلحة من المتطوعين لمساندة القوات الأمنية أطلق عليها مسمى “الحشد الشعبي” لينضم له عشرات الآلاف، أغلبهم من الطائفة الشيعية، تمَّ تدريبهم عسكريًا وتسليحهم، نجحوا خلال سنوات في تحرير المناطق التي سيطرت عليها “داعش” والقضاء عليها، وبهذا يكون الهدف من تكوين هذا التنظيم قد تمَّ تحقيقه، إلا أنه ما زال يمتلك قوة التسلح والعدد ودعم التيارات السياسية العراقية والإيرانية، بالإضافة إلى رضا المرجعيات الدينية عنه، فتكاد سطوته تنافس الجيش والشرطة النظامية في العراق. فما هو مصير الحشد الشعبي، صاحب الولاء الإيراني، في ظل تحقيق أهدافه المزعومة؟

كان دخول “داعش” في الموصل، السيناريو الأمثل لإيران، لزيادة التحكم في المشهد السياسي بالعراق، أمنيًا وسياسيًا، حيث تعدُّ بدايات الحشد الشعبي نسخة من بداية تكوين الحرس الثوري الإيراني الذي تمَّ تشكيله في ثمانينيات القرن الماضي كقوات تعبئة إبان الحرب العراقية الإيرانية ليستمر إلى يومنا هذا، مشكلاً رعبًا على الشعب الإيراني. وكما نجح الحرس الثوري في رصد سمعة جيدة بين الشعب بمسمى الدفاع عن الوطن، نجد أن الحشد الشعبي كسب – بجدارة – رضا المجتمع العراقي من خلال إيهامه أنه المساهم الأساسي في تحرير البلاد من الخطر الداعشي، متجاهلين دور وزارة الدفاع العراقية وقواتها النظامية. وسعى قادة الحشد بقيادة الجنرال الإيراني قاسم سليماني لعمليات عسكرية ضد “داعش”، وبمسمى محاربة الإرهاب نفسه تمَّ تهجير سكان المناطق السكانية وذلك لتحقيق استراتيجية التغيير الديمغرافي للكتل السنية في عدة مناطق عراقية، فتمَّ إخفاء الجرائم الطائفية التي قام بها الجنود ضد المدنيين العراقيين العزل، حيث رصدت منظمات حقوقية عالمية تعرض الآلاف إلى انتهاكات متنوعة من قتل واغتصاب وتهجير قسري ضمن خطة التيارات الموالية لإيران لإفراغ المناطق السنية لتشتيت مركزيتهم واستبدالها بسكان يعتزون بولاية الفقيه.

وقد تداولت تقارير عالمية حول ما تعرض له أهالي بعقوبة عام 2014 بعد استعادتها من “داعش” ودخول الحشد الشعبي لها من حرق المنازل ومنع أهلها من العودة. كذلك عام 2015 في منطقة تكريت، تعرض ٨٠٠٠ منزل للسلب والنهب، ومن ثم التدمير بالعبوات الناسفة. أمَّا في عام ٢٠١٦، فقد اتهمت الأمم المتحدة الحشد الشعبي بتعذيب وإعدامات عشوائية ضد أهالي الكرمة في محافظة الأنبار، وكذلك التهجير القسري لأهالي محافظة ديالي. وليس هذا فحسب، وإنما بمباركة سياسية طائفية نتنة نجح مجلس محافظة بابل، الذي يسيطر عليه حزب الدعوة بزعامة المالكي، في منع نازحي جرف الصخر، وهم من المكون السني، من العودة إلى مناطقهم المحررة من تنظيم “داعش” منذ عام 2014، متعللين في بداية الأمر بوجود مخلفات حربية مضرة، ولكن قيل لهم فيما بعد إنهم يشكلون تهديدًا لأمن المنطقة.

أمَّا حال الحشد الشعبي بعد خروج “داعش”، فقد ساعد البرلمان العراقي في تمكينه أكثر بعد إصدار قانون حول تحويله من فصائل غير نظامية إلى كيانات قانونية بهوية وخصوصية مستقلة تتمتع بالحقوق وتلتزم بالواجبات باعتبارها قوة مساندة للقوات الأمنية العراقية. وبناء على التحركات السياسية العراقية والإيرانية المختلفة، تبين أهمية الحشد للحكومة الإيرانية، بالرغم من انشغالها في إنعاش اقتصادها المتردي بعد تفعيل الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية، ولكنها ما زالت تحارب لإبقاء الحشد الشعبي عبر أذرعها الموالية لها في العراق لتفرض سيطرتها العسكرية على المنطقة العربية (العراق، سوريا، لبنان)، وهذا ما طالب به قيس الخزعلي، مؤخرًا، زعيم فصيل عصائب أهل الحق المدعوم من إيران، أن تضطلع قوات الحشد الشعبي بدور رسمي في تأمين الحدود مع سوريا،والذي سيمكن إيران عبر هذا الممر الاستراتيجي من فتح طريق آمن لها لسوريا ولبنان يمكنها من الالتفاف على العقوبات الأميركية.

وهذا الأمر لم يغِب عن الحكومة الأميركية، ولا عن بعض الساسة العراقيين المنزعجين من التدخلات الفارسية، فسعى بعضهم لفصل العراق والحشد عن التداخلات والدعم الإيراني، كما فعل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، عندما أرسل – مؤخرًا – رسالة إلى زعيم ائتلاف الفتح والقيادي في الحشد الشعبي، هادي العامري، دعاه فيها إلى وقف الدعم الخارجي ودعم التعاون بين المقاومة والحشد لأجل إنقاذ العراق. أمَّا عن تحركات أميركا، فهي ترى وجود الحشد الشعبي معضلة يجب حلها، فطالبت الحكومة العراقية بإزالة الحشد الشعبي كشرط لاستثناء البلاد من تطبيق العقوبات الأميركية ضد إيران، ردت حكومة طهران عبر لقاء المرشد الأعلى آية الله خامنئيمع رئيس الجمهورية العراقي برهم صالح، حيث شدد الأول على أهمية المحافظة على الحشد الشعبي، معتبرًا إياه نموذجًا ناجحًا للعراق والعراقيين.

مستقبلاً، لا يوجد سيناريو واضح للحشد الشعبي حيث تتنازع حوله القوى الداخلية والخارجية، بين مطالبات بإلغائه أو دمجه مع القوات العسكرية الوطنية، ومساعي أخرى لتمكينه أكثر عسكريًا وسياسيًا. حتى وإن تمَّ إلغاؤه، فسيظل النظام الإيراني يدعم مليشيات أخرى كحزب الله في لبنان، والحوثي في اليمن، وتيارات مختلفة في العراق، وسيظلون على محاولات استنساخ “نصر الله” في مناطق أخرى كما هي الحال مع إبراهيم زكزكي في نيجيريا وقيادته للتنظيمات المسلحة الموالية لولاية الفقيه.

والحل الاستراتيجي لقضية إيران وتداخلاتها في الدول الإسلامية المختلفة، ليس سياسيًا فقط، وإنما فكري وعقائدي من خلال فصل المجتمعات الشيعية واستثمار الاختلافات والخلافات العقائدية حول الإيمان بمرجعية ولاية الفقيه وطاعته المطلقة كطاعة المهدي المنتظر التي لا تؤمن بها العديد من المرجعيات الدينية الشيعية. فهناك عدة مدارس فقهية، ترى أن ولاية الفقيه الكاملة بقراءتها الخمينية دخيلة على مجتمعاتهم، وهذه المجادلات موجودة في الكتب والمراجع، ولها نصيب من اختلاف ودفع وجذب بين الفقهاء خلال القرون الماضية، ولكنها ظهرت على نطاق التطبيق بعد الثورة الخمينية واعتمادها بصرامة. لذا، من الحكمة احتواء العرب الشيعة من خلال دعم مراجع مستقلة دينية تعتز بعروبتها وتختلف مع عقيدة خامنئي المعصومة لتساعد على مواجهة التمدد الفارسي الذي يهدف إلى إعادة إحياء الإمبراطورية الصفوية متخذة نشر الإيمان بالتشيع الثوري الخميني وسيلة لتحقيق مرادها الإقليمي القومي.

باحثة سياسية*

@ReaderRiy

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر