الحرب السورية: محاولة لفهم الفصائل المتمردة في إدلب

التاريخ والوقت : الأربعاء, 5 سبتمبر 2018

 

تحليل/ آيرون لوند

في الوقت الذي يستعد فيه النظام السوري بقيادة “بشار الأسد” لشن هجوم على محافظة إدلب التي يسيطر عليها المتمردون، تنقسم الفصائل المتمردة في ولاءاتها وتوقعاتها؛ وهو ما يفرض إلقاء نظرة على خريطة المقاتلين على الساحة السورية، وما يمكن أن يصبح عليه المشهد خلال تلك المحطة الرئيسية في الحرب السورية.

فبينما تسيطر تركيا على المتمردين في عفرين والباب والمناطق المجاورة، فإن المشهد في إدلب يتسم بكونه أكثر تعقيدًا، حيث يسيطر على ذلك المشهد فصيلان رئيسان، هما: “الجبهة الوطنية للتحرير” و”تحرير الشام”، ويختلفان فيما بينهما بشأن أنقرة.

أمَّا الفصيل المفضل لدى تركيا، فهو “الجبهة الوطنية للتحرير” ، التي يقودها فضل الله حاجي، حليف الإخوان المسلمين، حيث تضم تلك الجبهة مجموعة من الإسلاميين المقربين من تركيا، مثل: أحرار الشام، وكتائب نور الدين زنكي، وجيش الأحرار، والجماعات التي حاربت تحت راية الجيش السوري الحر، مثل: جيش النصرة، والقسم الساحلي الثاني.

وتعد “الجبهة الوطنية للتحرير” كبيرة جدًا، لكنها هشة، حيث تحظى هذه الجبهة برعاية تركية، فضلاً عن ذلك تأتي الجماعات الكردية والجهاديون المتشددون. أمَّا المنافس الرئيس للجبهة في إدلب، فهو “هيئة تحرير الشام”، وهي جماعة جهادية تسيطر على العاصمة، ومعبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، فضلاً عن مناطق رئيسة أخرى في إدلب.

وقد نشأت “تحرير الشام” تحت قيادة أبو محمد الجولاني، حيث كانت تُعرف فيما سبق باسم “جبهة النصرة”، وهي الفصيل التابع للقاعدة في سوريا. وتصنف تلك الجماعة بأنها إرهابية من قبل الأمم المتحدة، وكذلك الولايات المتحدة الأميركية والعديد من الدول الأخرى. وكذلك موسكو ودمشق حينما يُقدم كلٌّ منهما على شن هجمات عسكرية جديدة.

وترتبط “تحرير الشام” بعلاقة غامضة مع تركيا، حيث يبدو أن “الجولاني” وثيق الصلة بالمخابرات التركية، لكنه يرفض الخضوع التام لإملاءات أنقرة وتوجيهاتها.

ومما يثير التعجب أن تركيا تواصل الضغوط من أجل السيطرة على تمرد إدلب بأسره، حيث يقول الضباط الأتراك للمتمردين إن الطريقة الوحيدة لاسترضاء روسيا وإبعاد الأسد عن إدلب، هي أن يتم حل “هيئة تحرير الشام” ويسمح لأعضائها بالانضمام إلى “الجبهة الوطنية للتحرير”؛ إذ يبدو بعض أعضاء “تحرير الشام” متفقين على أن تركيا تهيمن – حاليًا – على إحدى فصائل الجماعة، وهو ما يذهب إليه أحمد أبا زيد، الباحث السوري المرتبط بشكل وثيق بالمعارضة غير الجهادية. كما يتعرض “الجولاني” لضغوط من جانب المتشددين الجهاديين الذين يصورونه على أنه أداة في يد الجانب التركي.

ويميل قادة تنظيم القاعدة في سوريا، وفي مقدمتهم أبو محمد الجولاني، إلى اعتبار “تحرير الشام”، أنها غير مجدية، إذ خرج ذلك الفصيل على أمير القاعدة، وانفصل عن التنظيم، ومنذ ذلك الحين يضطهد أعضاء القاعدة في سوريا.

وقد تجمّع بعض منتقدي “الجولاني” من الجهاديين، وغالبيتهم من الأردنيين والفلسطينيين في فصيل منشق يؤيد القاعدة يُعرف باسم “حراس الدين”، ويضفي الموقف الناقد لهذه الجماعة، المزيد من التحديات التي تواجه “الجولاني”؛ إذ بات عليه – حاليًا – أن يواجه المزيد من الانشقاقات، ويتصدى للأزمة الواقعة بينه وبين تركيا، التي تدعم موقفه فيما يخص هجوم النظام.

وقد رفض مسؤول في “تحرير الشام”، مرة أخرى، دعاوى حل التنظيم في 28 أغسطس، لكنه زعم أنه يسعى لإيجاد حل مفيد في المناطق الشمالية المحررة التي يمكن أن يجنّبها العدوان المتوقع. ومن وراء الكواليس يبدو أن الجماعة تتفاوض مع تركيا، على حين أن تركيا تتفاوض مع روسيا في الوقت ذاته.

إن تطور “تحرير الشام” يتوقف مستقبلاً على أنقرة وموسكو، فإذا توصلت تركيا إلى تفاهم مع روسيا يسمح لها بالتعامل مع الملف الجهادي بإدلب، فمن المتوقع أن تشهد “تحرير الشام” المزيد من الانقسام بين أعضائها المنضوين تحت لواء الكتلة المدعومة من تركيا والمتشددين المقربين من “حراس الدين”، كما يرى أبا زيد.

فصائل صغيرة وجهاديون صينيون

وعلى الجانب الآخر، فإن ما يعقّد الصورة في إدلب وجود عدة فصائل من المتمردين التابعين لـ”تحرير الشام” بما في ذلك الشيشانيون، كما يقوم تنظيم “داعش”، أيضًا بتجنيد عدد من الخلايا السرية التابعة له في المنطقة، التي يطاردها كلٌّ من جبهة التحرير الوطنية وتحرير الشام.

ولم ينضم “جيش النصرة”، وهو فصيل من الجيش السوري الحر ومقره حماة، إلى “الجبهة الوطنية للتحرير” المدعومة من تركيا مثل العديد من رفاقه السابقين، حيث ينظر البعض إلى هذه الجماعة باعتبارها حليفًا سريًا لـ”تحرير الشام”. على حين يقول آخرون إن القاعدة بعيد كل البعد عن تركيا للانضمام للتحالف حتى يكون أمرًا منطقيًا، ولذلك فإنهم يتهربون من المنافسة مع المتمردين.

وفي الجانب الغربي، برزت مدينة “جسر الشغور” كمعقل للحزب التركماني الإسلامي، وهو عبارة عن مجموعة من الجهاديين الصينيين الإيوغوريين، ذلك أن وجود هذا الحزب في تلك المنطقة الاستراتيجية بالقرب من الحدود مع تركيا واللاذقية التي تسيطر عليها الحكومة، بالإضافة إلى صلاتها مع كلٍّ من “تحرير الشام” وتركيا، يمكن أن يوفر دعمًا لهذه المجموعة للقيام بدور محوري في أي معركة قادمة.

وقد عمل الحزب التركمانستاني بشكل وثيق مع الفصائل الجهادية في سوريا في الماضي، ما أسهم في تراكم الخبرة لديها بالتعامل مع المخابرات التركية. فبعد أن خرجت من الاشتباكات مع المتمردين لسنوات، تخلت المجموعة عن سياستها الحيادية في خلال الشهور الأخيرة لمساعدة “تحرير الشام” في مواجهة الهجمات المفاجئة للإسلاميين المدعومين من قبل تركيا. وقد شهدت الفترة الأخيرة حركة ملحوظة للمعارك لصالح أتباع “الجولاني”، لكن لا يزال هناك من يعتقد أن تركيا تملك تأثيرًا على الحزب التركماني بشكل يفوق قدرات التحالف مع “تحرير الشام”.

وإذا كان الأمر يبدو معقدًا، وهو بالفعل كذلك، إلا أنه بالنسبة للحكومة السورية، فإن متمردي إدلب جميعهم إرهابيون. كما يرى مقاتلو إدلب أنفسهم، أن الأسد هو العدو الرئيس لهم، متجاوزين الانقسامات بين الفصائل.. فإذا شنَّ النظام هجومًا على إدلب، فإن هذه الجماعات سوف تعطي الأولوية لصد الهجوم؛ ذلك أن هذه المنطقة تمثل الحصن الأخير للمعارضة السورية مما يجعل الحفاظ عليه التزامًا من الجميع.

 

إعداد: وجدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: مؤسسة آيرين

 

 

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر