الجماعات الجهادية المتطرفة في شمال إفريقيا

التاريخ والوقت : الجمعة, 3 مايو 2019

تطباولو زوكوني

 

بعد ثماني سنوات من سقوط معمر القذافي، لا تزال ليبيا في حالةٍ من الفوضى بسبب انقسام السلطة والتباين بين غربِ وشرقِ ليبيا (طرابلس وطبرق)، وكذلك النزاعات القبلية (خاصة في فزان)؛ وهو ما يؤثر في عملية إعادة “بناء مؤسسات الدولة” الفاعلة وعملية “المصالحة الوطنية”. وفي حين أن الصراع الليبي قد تميز في المقام الأول بالتحالفات قصيرة الأجل بين الجهات الفاعلة المحلية (مثل الميليشيات والقبائل)، لا يمكن التقليل من شأن الجماعات الجهادية الليبية المتطرفة وشبكاتها.

فقد انتشرت الدعاية المتطرفة خارج ليبيا لتصل إلى المغرب وتونس والجزائر ومصر. في حين أن ذلك الأمر لا يعتبر ظاهرة جديدة، إلا أن دول شمال إفريقيا لا تزال تعاني من هجمات إرهابية كبيرة. ففي الآونة الأخيرة، تعرضت شركة النفط الوطنية الليبية التي تتخذ من طرابلس مقرًا لها، ولجنة الانتخابات الوطنية العليا، لهجوم من قِبَل متشددين على ما يبدو مرتبطين بـ”داعش”. وتعمل الحركات المتطرفة على زيادة نشاطها الدعائي وتواصل تهديدها للأمن الداخلي والإقليمي.

أمَّا تونس فهي غارقة في أزمةٍ اقتصاديةٍ عميقةٍ. وعلى ذلك، تطالب المؤسسات المالية الدولية بإصلاحات هيكلية اقتصادية كبيرة، وهو ما أثار احتجاجات كبيرة ووسع نطاق الدعاية الناشئة التي تقوم بها الشبكات الإرهابية في ليبيا لاستغلال القضايا الاجتماعية والاقتصادية لجذب الشباب الساخطين إلى صفوفها.

وفي 28 أكتوبر 2018، قامت امرأةٌ بتفجير نفسها، وهو الحدث الذي لم يكن على خلفيةٍ متطرفةٍ (حسب السلطات التونسية). فقد وقع الهجوم في الوقت الذي بدأت فيه صناعة السياحة الحيوية بالبلاد في الانتعاش لأكثر من ثلاث سنوات بعد هجومين إرهابيين كبيرين. وفي الآونة الأخيرة، في 7 مارس 2019، اعترض مكتب بريد في تونس 19 رسالة تحتوي على سموم مميتة كانت موجهة إلى عدد من الصحفيين والسياسيين والنقابيين البارزين. وكشفت السلطات المحلية أنه تمَّ إنتاج المواد في مختبر تونسي. وتعدُّ هذه المشكلة الأمنية مسألة حرجة يجب معالجتها، محليًا وإقليميًا، وربَّما بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي. ذلك أن تونس والجزائر ومصر يعتبرون شركاء استراتيجيون لأوروبا، إذ إن ضمان استقرارهم مسألة ضرورية لتجنب المزيد من الأزمات في المنطقة.

وفي 10 مارس 2019 ، أصدرت مؤسسة الأندلس التابعة للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، مقطعًا صوتيًا لخطابٍ ألقاه أبو عبيدة يوسف العنابي، المسؤول في القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، دافع فيه عن الاحتجاجات الجزائرية ضد الرئيس الجزائري السابق عبدالعزيز بوتفليقة، وشجع المحتجين على المطالبة بالحكم القائم على الشريعة. وعلى الرغم من أن الجزائر بدأت أخيرًا في عملية ضخمة لمكافحة الإرهاب لمنع تسلل الإرهابيين عبر حدود البلاد مع تونس وليبيا ومالي، فإن الدعاية المتطرفة لا تزال تمثل مشكلة خطيرة.

وتتزايد التعقيدات التي تواجهها الجزائر في جهودها لمكافحة الإرهاب بسبب الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر على طول حدودها الجنوبية. ذلك أن الإرهاب والإجرام مترابطان بشكل متزايد، وقد زادت الحاجة إلى كسر الصلة بين الاثنين بعد الاضطرابات الاجتماعية التي أدت إلى الإطاحة بـ”بوتفليقة” البالغ من العمر 82 عامًا. فالاستقرار في الجزائر يُعدُّ أمرًا بالغ الأهمية لأمن الجزائريين والمنطقة بأسرها. إذ سيواجه الزعيم القادم للبلد وضعًا اقتصاديًا صعبًا، بجانب التهديدات المستمرة من الشبكات الإرهابية في مالي وليبيا، والدعاية المتطرفة المتزايدة التي تستهدف التأثير على الأجيال الشابة في البلاد.

ووفقًا لنصائح السفر الأجنبية الصادرة عن الحكومة البريطانية، “من المحتمل أن يحاول الإرهابيون تنفيذ هجمات في المغرب، بما يفرض عليها أن تكون يقظةً في جميع الأوقات؛ فقد قُتل سائحان من الدول الإسكندنافية بوحشية في المغرب في ديسمبر عام 2018”. بينما ذكرت السلطات المحلية أن المهاجمين لا ينتمون إلى “داعش”، ذلك أن الهجوم، وبجانب هزيمة “داعش” الإقليمية في سوريا والعراق، أدى إلى فرض عملية صارمة من التحقيق بشأن الجماعة.

لقد كان أحد مكونات الاستراتيجية المغربية لمكافحة الإرهاب برنامج للمصالحة، الذي تمَّ إطلاقه في عام 2018، وهو برنامج للقضاء على التطرف والعنف. فوفقًا للوفد العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، يقدم خبراء حقوق الإنسان ومكافحة التطرف، الدعم النفسي وإعادة تأهيل الأشخاص المتهمين والسجناء بسبب جرائم الإرهاب؛ ففي 10 مارس 2019، أعلنت السلطات المغربية عن برنامجٍ للعودةِ إلى الوطن للسماح للمتشددين من أصل مغربي بالعودة بأمان. فقد كان العائدون يخضعون لتحقيقات قضائية بسبب تورطهم المزعوم في أنشطة مرتبطة بالإرهاب؛ إذ قدَّر رئيس المكتب المركزي المغربي للتحقيق القضائي أن 1,668 من المغاربة قد انضموا إلى “داعش” في سوريا والعراق وليبيا.

وفي مصر، لا تزال العديد من الخلايا المرتبطة بولاية سيناء (تنظيم داعش في سيناء) تعمل وتواصل تهديد الأمن والاستقرار فيها. إذ لا تزال مصر تعاني من الهجمات المستمرة ضد المسيحيين والأقليات الدينية الأخرى، ومن ثَمَّ فإن القضاء على الفروع الإقليمية لـ”داعش” في سوريا والعراق قد يجبر المسلحين على التدفق إلى مصر.

وعلاوة على ذلك، ورغم الهزيمة الإقليمية للتنظيم المتطرف، فإن الدعاية المرتبطة بتنظيم “داعش” وتحوله إلى كيان غير متماثل من كيان قائم على الأرض سيظل يهدد أمن شمال إفريقيا، ذلك أن تنظيم “داعش”، إضافة إلى المجموعات المحلية الأصغر حجمًا، لديه القدرة على دفع الشباب نحو سياق إقليمي معقد، يتأثر بشكل كبير بالأزمات الاقتصادية. إذ تمثل الدعاية المتطرفة فرصةً وهميةً – ولكنها مقنعة – بالنسبة للشباب كي ينتقلوا من حالة الخاسرين إلى وضع الفائزين. ومن ثَمَّ، فإن كسر العلاقة بين الإرهاب والإجرام (وخاصة التهريب)، يعدُّ أمرًا ضروريًا لتعزيز الاستقرار والأمن الإقليميين.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: دورية مراجعة الأمن العالمي Global Security Review

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر