الثورة بلا قيادات

التاريخ والوقت : الإثنين, 16 يوليو 2018

 

يجتاح العالم موجات واسعة من التغيير الاجتماعي، الذي يتأثر برياح العولمة ومنجزاتها الحضارية ما بين طفرات تكنولوجية وابتكارات في أنظمة الحكم والاقتصاد. ولم تستثنِ تلك الموجة بلدًا بعينه، ما فرض على الجميع التفاعل معها، بل ومحاولة التأثير فيها والإضافة إلى تطوراتها بما يعلي من شأن الخصوصية المحلية لمواجهة ما تفرضه العولمة، وهو ما يتسق مع الجهود التي تشهدها المملكة العربية السعودية والتي يقودها ولي العهد الشاب محمد بن سلمان، منذ وصوله إلى صدارة المشهد، بوعي يتناسب مع متطلبات تلك اللحظات الفارقة التي تمر بها المنطقة العربية والمجتمع الخليجي، وقد أثر كل ذلك في المنظرين والمفكرين ليتفاعلوا بدورهم مع تلك الموجات العميقة للتغير.

في هذا السياق، يأتي كتاب (الثورة بلا قيادات: كيف سيبادر الناس العاديون إلى تولي السلطة وتغيير السياسة في القرن الواحد والعشرين؟) للمؤلف “كارن ورس” الذي ترجمه فاضل جتكر، ونشره المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، في إطار سلسلة عالم المعرفة، ليمثل إحدى الإضافات المهمة للمكتبة العربية، وحلقة جديدة في سلسلة إصدارات المجلس الكويتي.

يدور الكتاب حول نمط جديد من السياسة، حيث يعلن المؤلف عن خيبة أمله مع الحكم الديمقراطي؛ إذ خاض تجربة عملية في أروقة العمل الدبلوماسي ببريطانيا ليعلن عن صدمته تلك قائلاً: “أيقنت أن الحكم قادر على الكذب في أخطر مسؤولياته”.

يغوص الكاتب في العديد من الأزمات التي مر بها العالم خلال السنوات الأخيرة، ليخلص إلى أن عالم القرن الواحد والعشرين شديد التعقيد واللبس، حيث يتفاعل مليار من الأفراد بشكل مطّرد بعضهم مع بعض، في عملية ديناميكية دائمة متواصلة التغير والتبدل، وهو ما يزيد من تعقيدات العالم في ذلك القرن.

وباستعراض عدد من الأزمات البنوية في النظام العالمي، يتساءل الكاتب: ما الحل إذن؟ وهو التساؤل الذي يدور حوله موضوع الكتاب الذي يقترح نوعًا من العودة إلى أساسيات ما ينبغي أن تكون عليه الديمقراطية.

الملاحظ على جوهر الفكرة التي يدور حولها الكتاب، أنه لا يبتعد الكتاب كثيرًا عن موجة التغيير الاجتماعي الهادئة التي تجتاح العديد من دول المنطقة العربية، ولا سيَّما تلك التي تشهدها المملكة العربية السعودية حاليًا، والتي يقود دفتها ولي العهد، محمد بن سلمان. ويعرض عددًا من أشكال التغيير الاجتماعي في كثير من الحالات، وفي مقدمتها الحالة الهندية التي حرصت قيادتها “غاندي” على عدم إحداث صدام من شأنه يهز جنبات المجتمع. فالأصل في مساعي التغيير الهدوء حفاظًا على الثوابت العامة بالمجتمع التي تمثل بنيته الأساسية.

وهنا تتجلى أهمية شعار “الساتيا غراها” بمعنى “الحقيقة الصامدة”، التي تمثل الثوابت التي لا ينبغي الاقتراب منها في إطار عمليات التغيير، وذلك نظرًا لأهميتها في ثبات المجتمع والحفاظ على الاستقرار؛ حيث قاد غاندي “مسيرة الملح” للاحتجاج على احتكار بريطانيا للملح باعتباره موردًا اقتصاديًا تمتلكه الهند، وكسر الاحتكار ليرغم بريطانيا فيما بعد على منح الهند استقلالها.

لا يدعو الكتاب إلى ثورة على الحكومات، بل يدعو إلى ثورة في المواقف الخاصة، حيث يبقى الفرد العامل الأكثر فاعلية في تغيير ظروفه المباشرة؛ لذا فهو العامل الأنجح، شرط أن يتحرك جماعيًا مع آخرين، في إنجاز التغيير العالمي. إضافة إلى ذلك، تتمخض الحركة عن إمكانية تغيير المرء بإدراك حقيقته إدراكًا كاملاً، إدراك معنى كوننا من البشر، وليست هذه طاقة ثابتة أو منطقية نستطيع ملاحظتها ببساطة والتعليق عليها بلا مبالاة.

وقد تنوعت وتعددت الأمثلة التي يشير إليها المؤلف للتأكيد على الأفكار الرئيسة في الكتاب. فللتأكيد على أهمية الالتقاء كسبيل لدعم مسارات التغيير السلمي، يقول الكاتب: “إبان الحرب الأهلية الإسبانية بادر ما يزيد على ثلاثين ألف شخص من أكثر من خمسين دولة إلى التطوع لقتال جيوش الجنرال فرانكو Francoالقومية. وتخلى الكثير منهم عن وظائفهم وتركوا أسرًا لمقاتلة التهديد الفاشي الناشئ، وللدفاع عن جمهورية اشتراكية، بل حتى فوضوية جديدة”. هنا يؤكد الكتاب أهمية التماسك بين المستويات القيادية والقاعدية لنجاح عمليات التغيير.

لا يقتصر نجاح التحولات الاجتماعية التي تقودها النخبة على إرادة منظومة الحكم، ولا على قدراتها للسيطرة على الجماهير للانسياق في ركبها بقدر ما يتطلب الأمر اتساعًا في الرؤية والمسار الحركي الذي يضم الجميع، وهو ما يرصده الكتاب من خلال الكثير من المناسبات والتواريخ التي حملت انطباعات بأن المتطوعين كانوا من أبناء كافة الطبقات الاجتماعية. فرغم المشاركة الكثيفة لأبناء الطبقة الوسطى، فإن تلك موجات التغيير الاجتماعي، لم تقتصر يومًا على طبقة أو فئة اجتماعية معينة.

يشير المؤلف إلى أن الخيار المثالي على صعيد التخطيط السياسي، هو الانخراط في عملية مقايضة لا بدَّ للقواعد والقيم والمبادئ من أن تتبادل التنازل فيما بينها بدرجات مختلفة في أوضاع محددة، ذلك أن قدرًا معينًا من التواضع ضروري جدًا في هذه الأمور؛ لأننا لسنا نمتلك أي ضمانة حول كون المسار الذي يقع عليه اختيارنا صحيحًا وصائبًا، وهذا هو جوهر الديمقراطية؛ نقاش آراء وخيارات مختلفة حول الأسلوب الذي يجب أن نعتمده في العيش معًا، مع التعويل في النهاية على القرار الجماعي، ولا يقع ضمن ذلك التنفيس المجرد للآراء شخصيًا، أو على الإنترنت، فيما يعرف بـ”الديمقراطية التداولية”.

لكن الكاتب لا يعصم تلك “الديمقراطية التداولية” من الأخطاء، حيث يرى أن مشكلتها تكمن في أنها تشكل تحديًا مباشرًا لنظام “الديمقراطية التمثيلية” الدستورية، حيث القلة منتخبة لتدبير شؤون الكثرة. لكن الاقتراع التداولي يخفق في جسر الهوة، رغم كونه خصب الخيار وبصيرًا في رؤاه. ففي النظام القائم لا تطبق السلطة رؤية تجمع المواطنين ومبادرتهم إلى تدبير شؤونهم، واتخاذ قرارات ذات معنى فعلي، وهو ما يبرر وجود الحكومة؛ ذلك أن نجاح عملية اتخاذ القرار التداولي، وتمتع المواطنين بفوائده الكاملة والواضحة، يتوقف على نفاذ شرطٍ يبدو من الغريب أن أكثر الدعاة الأكاديميين اندفاعًا للتنظيمات التداولية بالذات، يمقتون الاعتراف به، شرط عدم وجود أي سلطة أخرى على الإطلاق.

يأتي هذا الكتاب ضمن مجموعة اجتهادات غريبة في المقام الأول، تأثرت بتطورات الأوضاع التي شهدتها السياسة العالمية، والتي تأثرت بدورها بما شهدته منطقة الشرق الأوسط، من ثورات ما عرف بـ”الربيع العربي” التي دقت ناقوس الخطر بالنسبة للنخب الحاكمة، لأهمية احتواء الأبعاد الاجتماعية في معادلة السياسة والاقتصاد مع مراعاة جوانبها الاجتماعية.

ولعل ما شهدته المنطقة من نتائج كارثية في العديد من الدول التي اجتاحتها تلك الموجة وعصفت بأنظمتها الحاكمة، كان لها أثر شديد في دق نواقيس الخطر لأهمية الحفاظ على الدول واستقرارها؛ وهو ما يفرض أهمية الانطلاق من التغيير الاجتماعي لمواجهة آفاق المستقبل ومواكبته والاستعداد للتكيف معه.

لقد تنبهت العديد من الأنظمة الحاكمة لذلك بشكل ملحوظ، فاستعدت بالرؤى الاستراتيجية التي أخذت في الاعتبار كافة المتغيرات المستقبلية، حيث نجد “استراتيجية 2034” التي تبنتها الدول الإفريقية في إطار منظمة “الاتحاد الإفريقي”. وعلى المستوى القُطري، تتبنى المملكة العربية السعودية استراتيجية “رؤية السعودية 2030″ التي تتعدد محاورها، داخليًا وخارجيًا، ليطل الاقتصاد برأسه من خلال عملية تنموية تبتعد بالاقتصاد السعودي عن هيمنة قطاع واحد كالنفط على مفاصل الاقتصاد، وهو ما عبرت عنه السلطات الحاكمة بتدشين الصندوق السيادي لمواجهة تحديات المستقبل. وفي مصر ثمة استراتيجية مماثلة تحت مسمي” 2030″ أيضًا.

أخيرًا، يُلاحظ على هذه المدركات من دول المنطقة، هي إدراكها لمهددات استقرار الدول بشكل استراتيجي لا يتوقف على رؤية خاصة بقطاع بعينه، بقدر ما تتصل بكافة المستويات والقطاعات، وذلك من قبيل الاستفادة بالخبرة السلبية التي حملتها رياح ما عُرف بـ”الربيع العربي”.

معلومات الكتاب

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر