الانتخابات التركية.. أردوغان ينصب نفسه حاكما مطلقا

التاريخ والوقت : الأربعاء, 27 يونيو 2018

 

تتجه أنظار العالم لإسطنبول حيث تسمية رئيسها الجديد بعد الانتخابات التي بدأت بين الرئيس الحالي “رجب طيب أردوغان” ومنافسه “محرم إنجه”، إلا أن وكالة الأنباء التركية الأناضول قد أعلنت – نقلا عن اللجنة العليا للانتخابات التركية بعد فرز معظم الأصوات – حصول أردوغان على 52,5% من الأصوات، بينما حصل منافسه محرم إنجه على 31,7%، ويبدو أن أردوغان نفسه لم ينتظر إلى حين إعلان النتائج الرسمية، إذ خرج مساء الأحد في خطاب بدا فيه واثقًا من فوزه وهو ما اتضح في قوله: “النتائج غير الرسمية للانتخابات واضحة، وفقًا لها.. لقد عهدت أمتنا إلي بمسؤولية رئاسة الجمهورية”، بل تحدث عن نسب المشاركة، حيث قال “تركيا، مع نسبة مشاركة قاربت 90%، أعطت العالم درسًا في الديمقراطية”، ولعله لا يدرك أنه آخر من يتحدث باسم الديمقراطية.

أنصار أردوغان – أيضًا – قد حذوا حذو رئيسهم في عدم انتظار النتائج الرسمية، فخرجوا يعبرون عن فرحتهم بالتلويح بالأعلام التركية في الشوارع. فأردوغان الذي يهيمن على السلطة في تركيا منذ 15 عامًا، وفرض نفسه كأقوى قيادي منذ عهد مؤسس الجمهورية التركية كمال أتاتورك، قد دعا في أبريل إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة كانت مقررة في الأصل في نوفمبر 2019.

وعلى الجانب الآخر، يبدو أن حزب منافس رجب طيب “محرم إنجه” لم يوافق على النتائج التي نشرتها الأناضول، مشيرًا إلى أن الأرقام التي بحوزته تظهر أن أردوغان قد حصل على أقل من 50 في المئة من الأصوات، الأمر الذي يستدعي إجراء دورة ثانية.(1)

 فالمعارض “إنجه” قد تمكن من فرض نفسه في موقع المنافس الرئيسي مستقطبًا الجماهير في كل أنحاء البلاد. وفرض الشأن الاقتصادي الذي شكل لفترة طويلة الورقة الرابحة لحزب “العدالة والتنمية” الحاكم، نفسه في الحملة الانتخابية كمصدر قلق كبير للأتراك مع انهيار الليرة ونسبة تضخم عالية التي وصلت إلى أعلى مستوى لها منذ 14 عامًا، والتي قاربت من بلوغ حد الـ12%(2)، وهو ما جعل أردوغان يبدو في موقف دفاعي أثناء الحملة الانتخابية، وجعله يصدر وعودًا برفع سريع لحالة الطوارئ وبتسريع عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، لكن معارضيه يتهمونه بالسعي لاحتكار السلطة من خلال هذا التعديل الذي يلغي منصب رئيس الحكومة ويتيح للرئيس الحكم من خلال مراسيم.

 

غياب المساواة

الحملة الانتخابية التركية قد شهدت تغطية إعلامية نستطيع وصفها بأنها -غير متوازنة – تمامًا، لصالح أردوغان، فقنوات التلفزيون كانت تذيع خطبه بالكامل. وأجبر مرشح حزب الشعوب الديمقراطي، صلاح الدين دميرتاش، على خوض حملته من السجن، حيث يقبع فيه بتهمة أنشطة “إرهابية”. ولعل حديث بعثة مراقبة الانتخابات حول ما وصفته بـ”غياب المساواة” في الانتخابات التركية يعزز من ذلك أيضًا، ونستدل على ذلك مما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية عن المراقبين: “كان للناخبين فرصة حقيقية لاختيار مرشحيهم، رغم غياب المساواة في الفرص”؛ إذ كان لأردوغان ولحزبه أفضلية واضحة، خاصة من خلال التغطية الإعلامية المكثفة التي أولتها لهم أجهزة الإعلام الموالية للحكومة. وأبرزت الوكالة – أيضًا – ما جرى من تغيير مواقع 1090 محطة انتخابية “لأسباب أمنية” قبل الانتخابات، ما اعتبرته المعارضة سببًا لفقدانها الكثير من أصوات ناخبيها.(3)

 

ديمقراطية زائفة

النظام السياسي التركي يمكن وصفه بنظام التعددية المقيدة، وهو ليس نظامًا ديمقراطيًا، إنما يعطى هامشًا لقوى المعارضة لكي توجد على الساحتين السياسية والشعبية دون أن يسمح لها بتداول السلطة، فأردوغان الذي يتشدق بالديمقراطية وضرورة تطبيقها في الدول الأخرى، وبخاصة العربية، يفرض حالة الطوارئ في البلاد، وخصوصًا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي وصفها البعض بـ”المدبرة “، والتي استغلها لإحكام قبضته على البلاد واستخدام اليد الباطشة لقمع معارضيه، وألقى القبض على 160 ألف شخص وأقال مثلهم، وباتت التجمعات وانتقاد الحكومة خطرًا جسيمًا، واعتقلت سلطاته العديد من المعارضين قبل الانتخابات. بيد أن الصحافة التركية لم تسلم منه – أيضًا – فالعديد من الصحفيين قيد الاحتجاز الآن، ولم يدرك أردوغان أن سحره قد ينقلب عليه عندما قال إن الشعب حينما يريد رحيله فإنه سيرحل، ولم يستجب لهاشتاق “تمام” الذي اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي عقب خطابه – آنذاك.

 علاوة على التعديلات الدستورية التي أجراها أخيرًا، للتوسيع من صلاحياته، والتي ألغى بموجبها منصب رئيس الوزراء، إذ إن رجب طيب سيجمع بين مهام وصلاحيات رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية معًا؛ مما سيفتح له بابًا أكبر لإحكام قبضته وسيطرته على البلاد.(4)

 

ماذا بعد الانتخابات؟

بعد فوز أردوغان بولاية ثانية – وهو الأمر الأرجح – فإننا نستطيع توقع مزيد من الإجراءات القمعية، وتمتعه بصلاحيات أوسع، وشن حملة على القضاء لتقليص نفوذه، والحد من نفوذ الجيش والعسكريين، واستمرار تراجع الاقتصاد التركي.

 

1- المزيد من الإجراءات القمعية

فوز أردوغان بفترة رئاسية ثانية سيعزز – بالطبع – من استمراره في إجراءاته القمعية التي اشتدت بعد محاولة الانقلاب عليه، واستمرار آخر لديمقراطيته الزائفة والخادعة التي لا تخرج عن كونها أحاديث يدحضها الواقع ويثبت عكسها، فطريقته في الحكم مثال واضح على تراجع الديمقراطية وليس تعزيزها. ومن المرجح استمراره في التنكيل بمعارضيه، وحبس المزيد منهم، والتضييق على حرية الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي، واستمرار حملة القبض على المزيد من الموظفين، أو من يرجح ضلوعه في محاولة الانقلاب الأخيرة على أردوغان – حتى وإن كان بعيدًا عنها في الواقع.

فأردوغان قد تمكن من البقاء في الحكم من خلال زيادة الانقسامات بين شعبه، وصب غضبه على شبكة من أعداء – مفترضين – في الخارج، متمثلين في الحكومات الغربية، وجماعة إرهابية كردية يحاول تصويرها على أنها مهدد رئيسي لأمان ووحدة تركيا.(5)

واللافت للنظر – أيضًا – هو ما فعله النظام التركي – لدواعٍ انتخابية – حين قام باستغلال قضية المهجرين من خلال منح الجنسية لآلاف المهجرين السوريين، وإعلانه أن نحو 30 ألف سوري سيشاركون في تلك الانتخابات لكسب أصواتهم وليكونوا بمثابة تعويض لما خسره الحزب الحاكم من شعبيته.(6)

 

2- تمتع أردوغان بصلاحيات أوسع وتكريس حكم الفرد الواحد

بات جليًا أن أردوغان يسعى لتكريس نظام حكم الفرد الواحد وإسكات أي صوت لمعارضيه، فالتجمعات ممنوعة وانتقاد الحكومة أصبح خطرًا جسيمًا. فأردوغان الذي عدّل الدستور ليتنزع مزيدًا من الصلاحيات، لن يألو جهدًا لاستخدامها فور فوزه، فالنظام الرئاسي الذي تمَّ التصويت عليه في استفتاء 2017 – والذي غيّر شكل الحكم – قد دخل حيز التنفيذ ليثير مخاوف عدة من ازدياد قبضة أردوغان على البلاد. وبات واضحًا أنه سيجمع بين صلاحيات ومهام رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء معًا، وسيصبح من حقه – أيضًا – إعلان وتمديد حالة الطوارئ في بعض الولايات والمناطق، إضافة إلى إصدار مراسيم رئاسية بخصوص أمور الحكم، بل إن أردوغان قد استحدث منصب “نائب الرئيس” الذي سيختاره بنفسه وسيختار الوزراء أيضًا.(7)

ليس هذا فحسب، فأردوغان سيقوم بإعداد موازنة الدولة وعرضها على البرلمان لاعتمادها، وإذا رفض البرلمان اعتمادها تبقى موازنة العام السابق معتمدة وسارية المفعول، كما سيتولى تعيين كبار مسؤولي الدولة بمن فيهم رؤساء الجامعات والقضاة.

 

3- تقليص نفوذ القضاء

من المعروف أن مجلس القضاة والمدعين العامين، هم من يشرفون على عمل القضاء، إلا أنه تمَّ تخفيض عدد أعضاء المجلس من 22 إلى 13 عضوًا، ومنح نائب وزير العدل مقعدًا دائمًا فيه. فبات المجلس مؤلفًا من وزير العدل ونائبه وسبعة أعضاء يعينهم البرلمان. أمَّا بقية الأعضاء والبالغ عددهم 4، فيسميهم الرئيس من قائمة تُقترح عليه(8)، الأمر الذي ينبئ أن الرئيس – أردوغان – سيختار من هم موالون له، وذلك لتقليص نفوذ القضاء بعد تقليص عدد أعضاء المجلس؛ وهو ما يجعلنا نستنتج أن هناك اتجاهًا من قبل أردوغان لتسييس السلطة القضائية، لأنه سيتم اختيار القضاة على أساس اتجاههم السياسي، وهذا يسمح للحزب الحاكم بالتأثير في دور السلطة القضائية، وهو ما سيعصف – بالطبع – بمبدأ (الفصل بين السلطات) الذي يمثل أساس الديمقراطية.

 

4- الحد من نفوذ الجيش والعسكريين  

بات واضحًا بدرجة كبيرة أن محاولة الانقلاب الأخيرة على أردوغان – حقيقة كانت أم مدبرة – قد أحدثت شرخًا كبيرًا في العلاقة بين المؤسسة العسكرية وأردوغان الذي عزل وحبس عددًا كبيرًا من أعضائها إثر تلك المحاولة.

النظام الجديد الذي فصّله أردوغان، سيعمل على منع تدخل الجيش في السياسة، والحد من النفوذ الكبير الذي تمتع به منذ تأسيس الجمهورية، إذ إن المؤسسة العسكرية ستكون تحت رقابة جهة مدنية هي مجلس الدولة، أسوة ببقية مؤسسات الدولة، وسيحاكم العسكريون فقط أمام محاكم عسكرية في قضايا الانضباط العسكري، كما سيُلغى المقعدان المخصصان للجيش في المحكمة الدستورية التي كانت تضم 17 مقعدًا. وتضم هذه المحكمة الآن 15 قاضيًا، وجميعهم مدنيون. كما سيُلغى القانون العسكري الذي لجأت إليه النخبة العسكرية التركية في فرض الحكم العسكري على البلاد.(9)

وعلى هذا، فمن المرجح أن يحد أردوغان بنسبة كبيرة من تدخل العسكريين في الحياة السياسية، وسيضمن السيطرة عليهم بدرجة كبيرة حتى لا يفكروا في التصرف بعيدًا عن إرادته، وليضمن عدم تكرار محاولة الانقلاب عليه مرة أخرى.

 

5- تراجع الاقتصاد التركي  

الاقتصاد التركي بات يعاني تراجعًا كبيرًا وانخفاضًا في قيمة الليرة التركية بدرجة كبيرة، ومن المتوقع استمراره في هذا التراجع بعد فوز أردوغان أيضًا، فالليرة التركية أصبحت من بين أسوأ عملات الاقتصادات الصاعدة أداء هذا العام، وظل سعر صرفها متراجعًا بأكثر من 15 في المئة منذ بداية العام، وهو ما نستدل عليه من أحدث أرقام بنك التسويات الدولية الذي يؤكد أن ديون المصارف الأوروبية المستحقة على تركيا تصل إلى 224 مليار دولار (نحو 200 مليار يورو)، وتخشى تلك البنوك من انكشافها على أزمة في تركيا، وبدأت أسهم بعض تلك البنوك الأوروبية في الانخفاض مع انهيار الليرة بنسب تتراوح بين 10 و20 في المئة بسبب ديونها في تركيا.

كما أن السياسة النقدية المخففة في السنوات الأخيرة، دفعت بمعدل التضخم للارتفاع، وهو ما يثير المخاوف بشأن مدى فعالية خطوات التشديد النقدي الآن. وتظل نسبة البطالة – أيضًا – فوق 10 في المئة، مما يعني عدم قدرة الحكومة على زيادة عائدات الضرائب لتغطية العجز في الميزانية، البالغ 50 مليار دولار.(10)

 

وفي الأخير،فإن فوز أردوغان بولاية رئاسية ثانية ينذر بـ:

1- التوسيع من صلاحياته وتمتعه بصلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وذلك بعد تعديله للدستور.

 2- الاستمرار في نهجه القمعي ضد معارضيه.

3- المزيد من الأداء السيئ للاقتصاد التركي وتراجع عملته “الليرة”.

وحدة الدراسات السياسية*

المراجع   

1- تركيا: اللجنة العليا للانتخابات تعلن فوز أردوغان بالرئاسة من الجولة الأولى، فرانس 24. https://bit.ly/2N2fCR9

2- استمرار ارتفاع نسبة التضخم في تركيا.. ومخاوف من رفع تكاليف الإقراض، الوطن. https://bit.ly/2MsmqH1

3- بعثة مراقبة الانتخابات التركية تنتقد عدم تكافؤ فرص المرشحين، دويتش فيله. https://bit.ly/2IqYyRy

4- تعديلات دستورية في تركيا توسع صلاحيات أردوغان، بي بي سي عربي. https://bbc.in/2KLYle6

5- هل يمكن قهر أردوغان؟ مصراوي.https://bit.ly/2KjQiV8

6- عشية الانتخابات التركية أردوغان يحاول تمكين سلطانه والمعارضة تأمل طي صفحته، وكالة سانا. https://bit.ly/2N3jOA6

7- تعديلات دستورية في تركيا توسع صلاحيات أردوغان، بي بي سي عربي. https://bbc.in/2KLYle6

8-السلطات التركية تضع القضاء تحت الرقابة، روسيا اليوم. https://bit.ly/2MZFtcB

9- ما صلاحيات أردوغان في ظل النظام الرئاسي؟ بي بي سي عربي. https://bbc.in/2yMFRbi

10- الاقتصاد التركي.. أرقام “ضخمة” تثير مخاوف المستثمرين، سكاي نيوز عربية.https://bit.ly/2txu23H

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر