الاستخبارات الأوروبية والإرهاب.. كتاب يعالج إشكالية ظاهرة المقاتلين الأجانب

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 16 أكتوبر 2018

 

أصبحت شبكات الإرهاب في المرحلة الراهنة متصلة ومتشابكة وعلى درجة عالية جدًا من التعقيد، وهذا ما يستدعي أن تكون أجهزة الاستخبارات – بالفعل – متصلة بعضها ببعض، محليًا ودوليًا، من خلال تقاسم المعلومات داخل الدولة الواحدة ومع أجهزة استخبارات دول المنطقة، تلك التي نجحت في مواجهة التطرف والإرهاب رغم ما تحتضنه على أراضيها من أجناس وأعراق وأديان مختلفة. في هذا السياق، باتت أجهزة الاستخبارات حائط الصد الأول في مواجهة الأنشطة التي تمارسها التنظيمات الإرهابية في المدن الأوروبية، سواء اتخذت الطابع الجماعي المنظم، أو الفردي، من خلال ما عرف باستراتيجية (الذئاب المنفردة). لكن، رغم الصحوة الأمنية والاستراتيجية الأوروبية، وتكريس المزيد من الجهد الاستخباراتي في مواجهة موجة التطرف والإرهاب التي اجتاحت أوروبا خلال السنوات الأخيرة، فإن تلك الجهود الأوروبية، لم تثمر النتائج المأمولة منها، فلا تزال المدن الأوروبية تستيقظ يومًا تلو الآخر على أحداث تستهدف أمن المواطن الأوروبي في المقام الأول.

وأمام تلك الإشكالية تعددت الاجتهادات الفكرية والبحثية التي استهدفت فهم تفاصيل الجهود الأمنية الأوروبية في الميدان الاستخباراتي، فضلاً عن اختراق سلسلة التحديات التي تواجه منظومة العمل الاستخباراتي الأوروبي، والتي تراوحت بين الثغرات والخلل المؤسسي في المنظومة المؤسسية الأوروبية، والإشكاليات التشريعية والتباينات السياسية والثقافية بين الدول الأوروبية التي لم تتمكن من تقديم رؤية موحدة حتى الآن، رغم وجود أجندة كونفدرالية تعنى بضبط الأمن ومواجهة التحديات الأمنية الأوروبية.

يرصد الباحث العراقي جاسم محمد في كتابه الذي يحمل عنوان (الاستخبارات الأوروبية .. معالجات ناقصة لظاهرة المقاتلين الأجانب)، تلك الإشكاليات وما ينبثق عنها من تحديات تواجه صانع القرار الأوروبي. ينتمي الباحث إلى مجموعة الباحثين المهتمين بقضايا الأمن الأوروبي، وهو دبلوماسي سابق توفرت لديه خبرة عملية مؤسساتية ميدانية في مجال الاستخبارات والدبلوماسية في الدراسات والبحوث. كما أنه يعمل رئيسًا للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات في هولندا وألمانيا، وله العديد من المؤلفات المتخصصة في تقنيات مكافحة الإرهاب والاستخبارات. من هنا تأتي أهمية الكتاب، حيث ينخرط مؤلفه في موضوعاته بشكل عملي وعلمي، فضلاً عن اللحظة التاريخية التي يمر بها الأمن العالمي وما يواجه من تحديات متنامية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يضفي المزيد من الأهمية على هذا الكتاب.

ناقش المؤلف مدى فاعلية وقدرة أجهزة الاستخبارات الأوروبية في مواجهة المقاتلين الأجانب على الأراضي الأوروبية، واستعرض السياسات والإجراءات والقوانين التي اتخذتها الحكومات الأوروبية لمواجهة المقاتلين الأجانب، ووصفها بأنها غير كافية أمام تحديات المقاتلين الأجانب التي باتت تهدد عواصم أوروبا. فما زالت أجهزة الاستخبارات تعاني من نقص في الإمكانيات البشرية والموارد المالية، وأحيانًا بالخبرات في متابعة المقاتلين الأجانب ومكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى ذلك أن أجهزة الاستخبارات تعرضت إلى بعض حالات الاختراق من قبل الجماعات الإسلامية المتطرفة، وكذلك اليمين المتطرف.

يناقش الكتاب تحديات المقاتلين الأجانب داخل أوروبا استراتيجيًا، دون التقيد بظرف ومكان الأحداث، واعتمد مصادر دولية موثوقة. وفي هذا السياق، يعتقد المؤلف بأن الجهود التي بذلتها دول أوروبا، غير كافية، ولا ترقى إلى حجم التحديات، فما زالت هناك ثغرات لم تسد، رغم نجاح الاستخبارات الأوروبية بالحد من دعاية التنظيم المتطرف والأيديولوجيا المتطرفة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي من خلال عقد اتفاقات مع محركات وشركات تجهيز خدمة الإنترنت. لكن أجهزة الاستخبارات استطاعت تحقيق نجاحات نسبية في كشف خلايا تنظيم “داعش” في الداخل، ومنع حدوث عمليات إرهابية معقدة وواسعة، وانحصرت فقط في عمليات محددة بالطعن بالسكين أو الدهس بالعجلات.

تمكَّن المؤلف من تشخيص مشكلة معقدة، وهي عدم قدرة أجهزة الاستخبارات على مستوى دول الاتحاد الأوروبي وأوروبا على إيجاد تعاون استخباري وتقاسم المعلومات بين أجهزة الاستخبارات للدول، أو ما بين المؤسسات الأمنية للدولة الواحدة، ورغم إحرازها تقدمًا خلال 2017، فإنها لا ترتقي ولن تصل إلى المستوى المطلوب. ويذهب المؤلف إلى أن دول أوروبا لا تستطيع أن تصل إلى “أمن موحد” بسبب عدم الثقة بين أجهزة الاستخبارات واختلاف الأولويات، رغم ما حققته من تقدم نسبي في موضوع التعاون الأمني.

كما ناقش الباحث تكتيك تنظيم “داعش” (الذئاب المنفردة)، ووصفه بأنه إرهاب لا مركزي وبدون قيادة، واعتبره سمة مميزة لعمليات التنظيم. وفي هذا السياق، قام الباحث بتشخيص العمليات الانتحارية الأخيرة، واعتبر أن أكثر من 70% من منفذي العمليات هو غير مرتبط بالتنظيم ولم يتسلموا التعليمات أو الدعم اللوجستي، وأن نسبة عالية جدًا يعانون من الاضطرابات النفسية، وربَّما لديهم دوافع سياسية بتنفيذ العمليات من وحي تنظيم “داعش” أكثر من “الإيمان” بالأيديولوجية المتطرفة أو “عقيدة داعش”.

وفي قراءته لمشهد العمليات في أوروبا، يعتقد المؤلف أنها سوف تستمر ولو بشكل محدود، وأن مثل هذه العمليات لا يمكن التنبؤ بها ولا يمكن إيقافها، معتمدًا على تصريحات كبار المسؤولين في أجهزة الاستخبارات الأوروبية، التي لم تقتصر على قضايا الإرهاب بقدر ما اتصلت بكافة أشكال الجريمة والإشكاليات الأمنية التي يعاني منها المجتمع الأوروبي، مثل: قضية الهجرة غير الشرعية وأزمة اللاجئين، حيث اعتبرها واحدة من القضايا التي سببت الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي، وما زالت تحمل تحديًا لها. وتسعى دول الاتحاد الأوروبي والمفوضية لإيجاد حلول لهذه القضية، من منظور أن مشكلة الهجرة واللجوء ربَّما تتعلق بعامل التنمية والاقتصاد؛ لذا تحاول دول الاتحاد الأوروبي إيجاد اتفاقات مع دول شمال إفريقيا، وخاصة مع ليبيا لإيقاف قوارب الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط إلى السواحل الإيطالية. وتبنى الاتحاد الأوروبي إجراءات أبرزها تسريع ترحيل اللاجئين المرفوضة طلباتهم إلى أوطانهم أو دولة ثالثة. كذلك عمدت المفوضية الأوروبية ودول الاتحاد الأوروبي على تسيير سفن حربية في المتوسط للحد من الهجرة عبر السواحل الليبية إلى إيطاليا.

في هذا السياق، تناول الكتاب سياسات واستراتيجيات مكافحة الإرهاب وخططها لأجهزة استخبارات دول أوروبا في مكافحة الإرهاب ومحاربة التطرف. وناقش حزمة القوانين والإجراءات التي اتبعتها دول أوروبا والمفوضية الأوروبية، والتي تقوم على تعزيز التعاون الاستخباري، ما فرض على المؤلف استعراض جهود المفوضية الأوروبية في محاربة التطرف ومواجهة دعاية تنظيم “داعش” على الإنترنت وحماية حدود الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن مساعي أجهزة الاستخبارات بسد الثغرات الأمنية من الداخل، والتي وصفها الكاتب بالنجاح النسبي، والتي لم ترتقِ إلى الحد المطلوب لمواجهات التحديات، ذلك أن سيناريوهات العمليات الانتحارية في العواصم الأوروبية، ممكن أن تستمر بسبب النقص في المعالجات الأمنية، وكذلك بسبب أن تنظيم “داعش” وضع أوروبا نصب أعينه، بسبب خسارته في معاقله في سوريا والعراق.

ويعتقد المؤلف أن رؤية دول الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية في محاربة الإرهاب والتطرف، ما زالت ناقصة كونها تنظر فقط إلى ما يتعلق بأمنها القومي والمقاتلين الأجانب. ويجد المؤلف أنه ينبغي على أجهزة استخبارات أوروبا، الاستفادة من تجارب دول المنطقة في محاربة الإرهاب والتطرف، فهناك دول عربية تتعايش فيها مئات الأقوام والأجناس والأعراق والأديان والمذاهب بشكل سلمي، ونجحت في محاربة التطرف على أراضيها؛ وهو ما يدفع الكاتب إلى التحذير من إرهاب اليمين المتطرف إلى جانب إرهاب الجماعات المتأسلمة. فقد تمكنت أجهزة الاستخبارات الأوروبية من تحقيق نجاح نسبي في الربع الأخير من عام 2017، بكشفها عمليات إرهابية محتملة وتنفيذ ضربات استباقية.

ويعتقد أن الاتحاد الأوروبي بدأ يتراجع بالتزاماته القانونية والأخلاقية أمام قضية اللاجئين، وكذلك اعتماد مراكز للاجئين في ليبيا لاستقبال الجماعات التي يتم اعتراضها عند السواحل الليبية، وهذا ما يتناقض مع روح الاتحاد الأوروبي.

ويخلص المؤلف إلى أنه من الضروري إيجاد تعاون استخباراتي مع الدول التي تحارب الإرهاب والتطرف من أجل تقاسم المعلومات حول حركة التنظيمات والجماعات المتطرفة ومصادر تمويلها.

الكتاب يمتلئ بالتفاصيل التي تفرض على القارئ ضرورة الاستعانة بها في فهم إشكالية التحديات التي تواجه الأمن الأوروبي، ودور الأجهزة الأمنية بكافة مستوياته في مواجهة تلك التحديات.

معلومات الكتاب

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر