الإشتراك في القائمة البريدية

الاستبداد السينمائي.. كيف يستخدم صُنَّاع الأفلام حرفتهم لتوجيه انتباهنا

التاريخ والوقت : الإثنين, 19 سبتمبر 2016

جو ماغليانو

على مدى السنوات المئة الماضية، طوّرت صناعة السينما مجموعة من نُهج التحرير والتصوير لنقل القصص بكفاءة على الشاشة الكبيرة. وبينما تتدفق مشاهد أي فيلم معين لتشعُر وكأنها وقعت في العالم الحقيقي، فلا يمكن أن تكون الطريقة التي تم إنتاج الفيلم بها أبعد عن الحقيقة.

تتكون الأفلام الروائية من آلاف اللقطات بواسطة الكاميرا، وأي مشهد يمكن أن يتكون من مئات اللقطات، لكن كل لقطة يُمكن تصويرها في أوقات وأماكن مختلفة جدًا. لقد تبنّى صُنَّاع الأفلام استراتيجيات تسمح لهم برواية قصة عبر سلسلة من اللقطات مما يُعطي – كما يعتقدون – المشاهدين وهم استمرارية القصة التي تحدث في فضاء ووقت مُلتحمين.

على سبيل المثال، في المشهد المشتمل على شخصيتين تخوضان محادثة، يمكن أن يتم تصوير كل ممثل يقدّم النص بمعزل عن الممثل الآخر، ولكن يتم تحريرهما بعد ذلك معًا بحيث يتلقى المُشاهد المحادثة كاملة. لقد أظهرت أبحاثنا أن هذه التقنيات قد تفعل ما هو أكثر من مجرد توضيح للفيلم. إنها أيضًا تنتزع وتوجه انتباه الجمهور في طُرق تُغير بعمق الفهم السيكولوجي لدينا للحبكة.

فمثلاً القطع المستعرض  cross cutting، هي تقنية شائعة تستخدم لمساعدة المشاهدين على التنبؤ بما سيحدث بعد ذلك. فمثلاً فكِّر في مشهد مطاردة سيارة حيث يتحوَّل الفيلم ذهابًا وإيابًا من المطاردة إلى مجموعة من الأفراد يحملون الزجاج عبر الشارع، وأنت تعرف تمامًا أن السيارات سوف تحطم الزجاج.

لقد أثبتنا فعالية القطع المستعرض في دراسة (ماغليانو، ديكسترا وزوان عام 1996م)  التي انطوت على فيلم جيمس بوند moonraker من إخراج جيلبرت عام 1979م. فقد كان أحد المقاطع الممتدة لـ 12 ثانية من الفيلم، مفيدًا في توضيح كيفية عمل القطع المستعرض لمساعدة الناس على التنبؤ.

ويظهر الفك المفترس عدو بوند، ساقطًا عبر الهواء، ومن ثم يسحب حبل البراشوت من مظلته، لكنه يفشل في فتحه. ثم يراوح الفيلم ذهابًا وإيابًا بين اللقطات التي ما زال يحاول بها فتح البراشوت ولقطات خيمة السيرك.

لقد مكنّا المشاركين في الدراسة من مشاهدة المشهد في سياق الفيلم بأكمله، وتوقع جميعهم ما سيحدث تاليًا، ألا وهو أن الفك المفترس سوف يغطس في الخيمة.

وفي دراسة جديدة نشرناها العام الماضي، أظهرنا أن هذه الفكرة، (فكرة السيطرة على انتباهنا بواسطة الفيلم) تُعزَّز من ناحية تحرُّك أعيننا عبر الشاشة، ولكن ليس في إدراكنا للمشهد بالضرورة.

إذ قمنا بتلاعب بسيط غيَّر من تجربة المُشاهِد بطريقة دراماتيكية، فقد شاهد نصف المشاركين في الدراسة مشهد الثلاث دقائق بأكمله الذي يسبق الجزء المكون من 12 ثانية في “مون ريكر”. أما النصف الآخر، فقد شاهد جزء الـ 12 ثانية بدون السياق الكامل للمشهد. والمشاركون الذين شاهدوا المشهد السابق لجزء الـ 12 ثانية، من المرجح أن يتنبؤوا بشكل دقيق أكثر من أولئك الذين شاهدوا الجزء الحاسم فقط.

في هذه الدراسة يُصبُّ اهتمامنا الكبير أيضًا على حركات أعين الجماهير. وكنّا مهتمين ما إذا كان هناك اختلاف بين المجموعتين. لقد ظننا أنه وبسبب التلاعب الذي أحدثناه، غيّرنا من كيفية إدراك المجموعتين للفيلم. ومن المعروف أن حركات العين تختلف كليًا بين مجموعة من القُرّاء الذين يفهمون ما يقرؤون، ومجموعة أخرى لا تفهم ما تقرأ.

هل تكون هذه هي القضية بالنسبة للأفلام؟

عند مشاهدة مقطع الـ 12 ثانية، استخدمنا جهاز لتعقب حركات أعين الجمهور عبر الشاشة. وكانت حركة أعين المجموعتين متطابقة تقريبًا، على الرغم من أن أفراد أحد المجموعتين يفتقرون إلى السياق الكامل، ولم يفهموا هذا الجزء بنفس الطريقة. ونحن نسمّي هذه الظاهرة بـ”الاستبداد السينمائي”.

كيف يحدث هذا الاستبداد؟

صُنَّاع الأفلام في العادة يريدون جعل معالجة الفيلم سهلة بالنسبة لنا، لذلك يفعلون أشياء تستقطب أعيننا إلى مناطق محددة من الشاشة حيث يتربع الحدث الكبير. والتقنيات التي يستخدمها صُنَّاع الأفلام لتوجيه أعيننا، تتضمن جوانب عديدة من إنتاج الفيلم.

مثلاً، المخرج سينظم المشهد حتى لا يتداخل الممثلون في أدائهم. وبهذه الطريقة، فإن المشاهدين يستطيعون تحويل انتباههم بوضوح بين الأحداث الرئيسية.

والمصور السينمائي cinmatographer سوف يصمم لقطة بحيث يكون التأطير، والإضاءة، وعمق النطاق (تعتيم الخلفية متصل بوضوح الطليعة)، وكل الاهتمام المباشر، مسلطًا على الموضوع الأكثر أهمية في كل صورة.

وسيحرك المصور السينمائي أيضًا الكاميرا، لذلك فإن التأثيرات مثل التفاف رأس الممثل، واللكمة، أو مغادرة الإطار، ما هي إلا إشارة لجر الانتباه إلى ما سيحدث بعد ذلك. ويمكن للمحرر أن يستخدم هذه الإشارات لتوجيه انتباهنا إلى محتوى جديد عبر القطع أو سلسلة من اللقطات. وذلك من خلال تقريب الصور لإظهار النقاط الرئيسية في تسلسل الحدث (مثل الفك المفترس حينما رفرف في الوسط الهوائي، ثم سقط في خيمة السيرك). ويمكن للمحرر أن يقلل أيضًا من أهمية المكان والزمان دون ملاحظة المُشاهِد. كل هؤلاء الأعضاء من طاقم الفيلم (وغيرهم الكثير الذين لم يُذكروا) لديهم تبصُّر بديهي في كيفية تلقي المشاهدين للتجربة السمعية والبصرية النهائية التي أنشأها الفيلم. ومع ذلك يُظهِر بحثنا أن معرفة أين ينظر المشاهد لا يضمن أن المخرج السينمائي يعرف ما يفكر به الجمهور.

إن عدم التوافق بين الانتباه والإدراك، هو واحدة من قوى رواية القصص السينمائية. وهو يضمن أن جميع أفراد الجمهور، يمكن أن يخوضوا بالوقت نفسه تجربة مشتركة قوية من اللهاث، والصراخ، والضحك، مع إقصاء وجهة النظر الفريدة والشخصية لسردية الفيلم.

لذا، في المرة القادمة استشعر انتباهك الملتصق بالشاشة، حينها قد تفكر في جميع المهارات المستخدمة لخلق هذه السيطرة الاستبدادية لانتباهك الشخصي. ولكن يُمكنك الاطمئنان أن صُنَّاع الأفلام ليس لديهم في الاعتبار إلا مصالحنا الفضلى، وذلك من خلال تبيينهم أين يجب أن ننظر. وفي النهاية، يمكننا تكريس طاقاتنا للتمتع بالعرض -أو لا- بطريقتنا الخاصة.

إعداد وحدة الترجمات في مركز سمت للدراسات*