الاحتباس الحراري: كيف جعل أغنياء العالم أكثر ثراء؟

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 14 مايو 2019

 

على الرغم من أن درجات الحرارة ترتفع على مستوى العالم بأسره، فإن إحساسنا بتأثير ذلك يتفاوت من مكان لآخر.

وأفادت دراسة جديدة بأن التغير المناخي أدى على مدار نصف القرن الماضي إلى تفاقم التفاوت بين دول العالم، إذ عرقل النمو في البلدان الأكثر فقرا، بينما أفضى على الأرجح إلى زيادة معدلات الرفاهية في بعضٍ من أكثر دول العالم ثراء.

وأشار باحثون في جامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا الأمريكية في هذه الدراسة إلى أن نسبة الفجوة بين الدول الأشد فقرا وتلك الأكثر ثراء، تزيد الآن بنسبة 25 في المئة عما كانت ستصبح عليه، إذا لم تشهد الأرض ظاهرة الاحتباس الحراري وما تؤدي إليه من ارتفاع لدرجة حرارة الكوكب.

وتعد الدول الأفريقية الواقعة على خطوط العرض الاستوائية الأكثر تضررا؛ إذ أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في دول مثل موريتانيا والنيجر، يقل بنسبة 40 في المئة مما كان يُفترض أن يصبح عليه، إذا لم تكن درجات الحرارة قد ارتفعت بمعدلاتها الحالية.

وتضرب الدراسة مثالا كذلك بالهند – التي يقول صندوق النقد الدولي إنها ستصبح صاحبة خامس أكبر اقتصاد في العالم خلال العام الجاري – إذ تشير إلى أن نصيب الفرد في هذا البلد من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2010 كان أقل من معدلاته المفترضة بنسبة 31 في المئة، بسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض. وتصل النسبة إلى 25 في المئة في البرازيل، صاحبة تاسع أكبر اقتصاد على مستوى العالم.

وأشارت الدراسة إلى أن الاحتباس الحراري يُسهم على الأرجح في زيادة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الكثير من الدول الغنية، ومن بينها بعض من البلدان الأكثر تسببا في انبعاث ما يُعرف بالغازات الدفيئة المُسببة لهذه الظاهرة.

عقوبة الاحترار

ومن بين معدي الدراسة، مارشال برك من قسم علوم نظام الأرض في جامعة ستانفورد، وقد قضى أعواما طويلة يحلل العلاقة بين درجات الحرارة والتقلبات الاقتصادية، التي شهدتها 165 دولة من دول العالم، في الفترة ما بين عامي 1961 و2010.

واستخدمت الدراسة أكثر من 20 نموذجا مناخيا لتحديد مقدار ارتفاع درجة الحرارة الذي شهدته كل دولة بسبب تغير المناخ. وقد خلصت إلى بلورة 20 ألف تصور لما كانت ستصبح عليه نسبة النمو السنوية في تلك الدول، إذا لم تكن قد شهدت ارتفاعا لدرجات الحرارة بمستوياتها الراهنة.

وأظهر برك أن النمو تسارع في الدول ذات الطقس البارد في السنوات التي كانت فيها درجات الحرارة أعلى من المتوسط، بينما انخفض في البلدان التي يسودها طقس حار.

ويقول إن البيانات المأخوذة على مدار فترات مختلفة من التاريخ تُظهر بوضوح أن الأراضي الزراعية تكون “أكثر إنتاجية، وأن الناس يصبحون أكثر صحة، وأن مستوى إنتاجيتنا يزيد بشكل عام في أماكن العمل”، عندما تتسم درجة الحرارة بالاعتدال في ارتفاعها أو انخفاضها، أي عندما لا تكون باردة بشدة أو حارة للغاية.

ويشير إلى أن الدول التي يسودها طقس بارد جنت “فوائد ارتفاع درجة الحرارة” على وجه الأرض. أما نظيراتها ذات الطقس الحار، فقد أُنزِلَت بها “عقوبة الاحترار”، بفعل ما أدى إليه ارتفاع درجات الحرارة، من جعلها بعيدة عن أن تنعم بدرجة الحرارة المثلى بالنسبة لها.

ويقول المعد الرئيسي للدراسة، نوا ديفينبو، إن هناك “عددا من المسارات التي تتأثر من خلالها الدعائم الرئيسية للنشاط الاقتصادي الكلي بمستوى درجة الحرارة”.

ويضيف: “في الزراعة على سبيل المثال، ليس لدى الدول ذات الطقس البارد سوى موسم قصير للغاية في فصل الشتاء لنمو المزروعات. وعلى الجانب الآخر، لدينا أدلة قوية تفيد بأن غلة المحاصيل تراجعت على نحو حاد في ظل درجات الحرارة المرتفعة”.

ويتابع: “هناك بالمثل دليل على أن مستوى إنتاجية العمال يتراجع في درجات الحرارة المرتفعة، وأن أداء المرء على صعيد القيام بالوظائف الإدراكية والمعرفية ينخفض في مثل هذا المناخ، الذي تزيد فيه أيضا معدلات الصراع والتناحر بين الناس”.

هل يفيد الأمر الأغنياء والفقراء معا؟

ويقول الباحثون إنه في الوقت الذي تكتنف فيه بعض الشكوك مسألة استفادة الدول الأكثر ثراء وبرودة في درجات الحرارة من التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض، فإنه ما من شك في التأثير الذي خلّفه ذلك على البلدان التي يسودها طقس أكثر دفئا.

ويضيف هؤلاء أن هذا التأثير سيكون أكبر بكثير، إذا ما وُضع عامل الاحتباس الحراري في الحسبان، منذ أن بدأت الثورة الصناعية في العالم.

ويقول هابي كامبول، خبير استشاري بارز لدى منظمة “غرين بيس أفريكا”: “إن نتائج الدراسة تتماشى مع ما هو معروف منذ سنوات، من أن ظاهرة التغير المناخي تشكل عاملا يزيد التهديدات ويفاقم من مواطن الضعف القائمة بالفعل”.

ويضيف أن ذلك يعني أن “الدول الأكثر فقرا وتعرضا للتهديدات في الوقت نفسه، تقف على الجبهة الأمامية في معركة تغير المناخ، وأن على الدول النامية التعامل مع التأثيرات الناجمة عن التغير المتطرف في المناخ، على حساب معدلات نموها”.

ويشير كامبول إلى أن عجز دولة مثل موزمبيق عن التكيف عن متغيرات مناخية مثل هذه، بدا واضحا بعد إعصار كينيث الذي أدى لمقتل أكثر من 40 شخصا على أراضيها، منذ اجتاحها في 25 أبريل/نيسان الماضي.

وفي مارس/آذار، لقي أكثر من 900 شخص حتفهم في موزمبيق ومالاوي وزيمبابوي بسبب إعصار إيداي.

وبحسب كامبول، لم تسلم دولة مثل جنوب أفريقيا من تأثيرات مثل هذه، رغم استفادتها مما تمتلكه من بنية تحتية أكثر تطورا. فهذا البلد عانى الأمرين في مواجهة أزمة الجفاف وشح الأمطار التي شهدها عام 2018، وكذلك عندما ضربت فيضانات مؤخرا إحدى مناطقه.

ويشير كامبول إلى مفارقة تتمثل في أنه بالرغم من أن الدول الأفريقية لم تسهم سوى بالنذر اليسير في إحداث ظاهرة التغير المناخي، فإنها تواجه “تأثيرات عميقة ليس لديها سوى قدرة محدودة على التعامل معها”.

لا تقاسم للثروات

وبحسب الدراسة، شهدت الفترة بين عامي 1961 و2010، معاناة كل الدول الـ 18 التي كانت الانبعاثات الكربونية منها تقل عن معدل 10 أطنان من ثاني أكسيد الكربون لكل فرد (9 أطنان تحديدا)، من التأثيرات السلبية الناجمة عن ارتفاع درجة حرارة الأرض، وذلك من خلال انخفاض نصيب الفرد فيها من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل في متوسطها إلى 27 في المئة مقارنة بما كان يفترض أن يكون عليه الحال، إذا لم تزد درجة الحرارة بالمعدلات السائدة في الوقت الراهن.

وعلى النقيض من ذلك، فإن 14 من الدول الـ 19 التي زادت الانبعاثات الإجمالية التراكمية منها على 300 طن من ثاني أكسيد الكربون لكل فرد (272 طنا بالتحديد) استفادت من الاحتباس الحراري، بزيادة قدرها في المتوسط 13 في المئة في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.

وتقول الدراسة إن الأمر لا يقتصر على عدم مشاركة الدول الفقيرة في اغتنام الفوائد الكاملة الناجمة عن استهلاك الطاقة فحسب، بل إن الكثير منها أصبحت أكثر فقرا – نسبياً – بفعل استهلاك البلدان الثرية للطاقة.

لكن نتائج هذه الدراسة واجهت بعض الانتقادات أيضا.

من بين هؤلاء، سولومون سيانغ الذي يعمل في الولايات المتحدة وتعاون من قبل مع كلا الباحثين اللذين أعدا الدراسة التي تحدثنا عنها في السطور السابقة، لكنه يختلف معهما في بعض النتائج التي خلصا إليها. فبالرغم من أنه يقول إنه لا يوجد شك في صحة ما توصلت إليه الدراسة، بشأن التأثير الذي خلّفه ارتفاع درجة حرارة الأرض على الدول الأكثر فقرا، والتي يسودها طقس أكثر حرارةً من غيرها، فإنه يشير في الوقت ذاته إلى أنه كان لهذه الظاهرة أثار محسوسة شعر بها سكان البلدان الأكثر ثراء كذلك.

ويقول: “نرى أضرارا تتكشف بشكل متأخر في الدول الثرية، وذلك إذا ما استخدمنا الطرق التي اتبعها التحليل الذي تضمنته تلك الدراسة. لذا فإذا ما نظرت في الفترة التي تعقب العام الأول الذي ظهرت فيه التأثيرات السلبية للاحتباس الحراري، فسترى أن الأضرار تظهر بعد ذلك في الدول الأكثر ثراء والتي تسودها درجات حرارة أكثر برودة، تماما كما يحدث في الدول الفقيرة ذات الطقس الأكثر دفئا وحرارة”.

بالإضافة إلى ذلك، لم تقدم الدراسة صورة واضحة بما يكفي، بشأن التأثير الذي لحق بالنمو في الدول الواقعة على خطوط عرض متوسطة، مثل الولايات المتحدة والصين واليابان، وهي الدول صاحبة الاقتصادات الثلاثة الكبرى في العالم.

ويقول كامبول إن تغير المناخ لا يفيد أحدا على المدى البعيد، مُحذرا من أن استمرار هذه الظاهرة بلا انقطاع وبكامل قوتها الحالية سيجعلنا نواجه “تغيرات جامحة في المناخ”.

ويقول إنه “من الضروري أن تتحرك دول العالم الأكثر تسببا في الانبعاثات الكربونية، لتقليص انبعاثاتها على وجه السرعة”.

ويضيف: “يتعين على صناع السياسة التعامل مع مسألة التغير المناخي على محمل الجد بشكل أكبر بكثير مما يفعلونه حاليا، وعليهم أن يتيقنوا من أن هناك وسيلة للتحول العاجل بعيدا عن استخدام الوقود الأحفوري، وباتجاه الانتفاع بالطاقة المتجددة”.

 

المصدر: BBC Arabic

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر