الإرهاب يهدد واحة الاستقرار السابقة في غرب إفريقيا

التاريخ والوقت : الخميس, 7 فبراير 2019

جيمس بليك

 

تمكنت “بوركينا فاسو” من تجنب العنف الذي عانى منه جيرانها، لكن أوضاع الفقر، وما تعانيه دول الجوار من عدم الاستقرار وضعف قوات الأمن، أدت إلى فتح المجال أمام المتطرفين.

وفي أعقاب سلسلة الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها البلاد، قدمت الحكومة استقالتها في 18 يناير؛ إذ أعلن الرئيس “روش مارك كريستيان كابوري” الذي قاد البلاد منذ 2015، ليخلفه رئيس جديد للوزراء هو “كريستوف جوزيف ماري دابيريه” بعد 3 أيام من استقالة “كابوري”. لكن ذلك لم يحل دون استمرار الهجمات؛ فقد قام الإرهابيون بقتل جنود وأصابوا خمسة آخرين في 28 يناير على الحدود مع مالي، وفي اليوم التالي قتل الإرهابيون 10 مدنيين.

ومنذ ديسمبر الماضي، وقع عدد من الحوادث الإرهابية الكبيرة في “بوركينا فاسو”، وكان من بين ذلك عملية اختطاف وقتل تعرض لها أحد العاملين في مجال التعدين، كما اختُطِفَ اثنان من العاملين في مجال المساعدات الإنسانية، إذ يقدر مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية أن هناك 1.2 مليون شخص في حاجة إلى المساعدات الإنسانية؛ ومن ثَمَّ، إذا لم يتحرك المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة العاملة معه، فسوف ينتشر الإرهاب في غرب إفريقيا بما ينذر بزعزعة الاستقرار في المنطقة جمعاء.

وتجدر الإشارة إلى أن الفقر والجهود غير الفعالة لمكافحة الإرهاب المحلي، وضعف الخدمات الأساسية التي تقدمها الحكومة، أدى كل ذلك إلى انتشار الإرهاب، في حين أن العديد من الهجمات التي شنها الإرهابيون شمالي البلاد على الحدود مع مالي، أدت إلى تنامي أعمال التمرد في المناطق الشمالية العام الماضي. ومع تنامي وتيرة العنف، باتت الحاجة أكثر إلحاحًا إلى جهد دولي أكثر شمولاً لمكافحة الإرهاب في “بوركينا فاسو”، والحيلولة دون انتشاره إلى الدول المجاورة، مثل: بنين، وغانا، وتوغو.

ومنذ يناير 2016، شهدت البلاد أكثر من 200 هجوم. ووفقًا لمجموعة الأزمات الدولية، يرجع ذلك الارتفاع جزئيًا إلى التدهور التدريجي للحالة الأمنية خلال الفترة التي أعقبت الثورة الشعبية التي أطاحت بالرئيس “بليز كومباوري” عام 2014، بعد أن قضى 27 عامًا في السلطة، وهو ما يرجع إلى عدد من الصفقات التي أبرمها نظام “كومباوري” مع تيار المتشددين بهدف منعهم من شن هجمات خلال الفترة التالية، إذ يعتقد الكثيرون منهم أنه عندما انتهى عهد “كومباوري” عام 2014، انتهت معه مثل هذه الهدنة أيضًا.

لكن تفاصيل تلك الصفقات التي أبرمها الزعيم السابق غير متاحة بشكل كافٍ، لكن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي نشط بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة؛ وارتكب عددًا من الهجمات الأكثر فتكًا، ومنها الهجوم على فندق “سبلينديد” في العاصمة (واغادوغو)، في يناير 2016.

بجانب ذلك، فإن الظروف التي تعيشها البلاد تشجع – أيضًا – على انتشار الإرهاب؛ فقد انتقلت الجماعات الإرهابية التي كانت متورطة سابقًا في التمرد الذي شهدته “مالي” عبر الحدود إلى “بوركينا فاسو”، ومن تلك الجماعات جماعة أنصار الإسلام التي تُعدُّ مسؤولة عن العديد من الحوادث التي شهدتها محافظة “سوم” شمالي البلاد.

وأصبحت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، المرتبطة بتنظيم القاعدة، أكثر نشاطًا في أنحاء البلاد، وقد أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم على السفارة الهندية وقيادة أركان الجيش البوركيني في “أوغادوغو” في مارس 2018. وفي الوقت نفسه، يتمتع تنظيم “داعش في الصحراء الكبرى” بحضورٍ متنامٍ في جميع أنحاء “بوركينا فاسو”، ويستفيد من دعم السكان المحليين، الذين يعيش أغلبهم في فقر مدقع، ويفتقرون إلى الرعاية الصحية والتعليم؛ لذا فقد بدأت الهجمات التي شنتها هذه المجموعات تزيد من وتيرة النزوح الداخلي للسكان.

كذلك تنتعش هذه الجماعات بسبب الظروف الأساسية التي تعاني منها “بوركينا فاسو”، وعدم كفاية القدرات العسكرية – ولا سيَّما على مستوى القوات الجوية – بالإضافة إلى نقص المدربين المؤهلين ومسؤولي إنفاذ القانون، وارتفاع مستويات الفقر، وتردي مستوى الخدمات، وبخاصة الرعاية الصحية. فالبلاد لا تزال واحدة من أفقر البلدان في العالم؛ إذ يعيش أقل من نصف السكان تقريبًا تحت خط الفقر المعتمد من قبل البنك الدولي الذي يبلغ 1.90 دولار في اليوم.

وبينما تُبذل الجهود لتحسين الوضع، تعتمد الأجهزة الأمنية في البلاد بشكل كبير على الجماعات الأهلية المحلية مثل “كوغلويغو” Koglweogo، التي كانت تعمل فعليًا كجهةٍ لإنفاذ القانون في وسط وشرق البلاد منذ ظهورها في عام 2015، وتعمل في المناطق التي لا تصل إليها سلطات الجهات الحكومية، في الوقت الذي لا تتقدم فيه الحكومة بأي إجراء حيال ذلك.

وفي حين يتفهم السكان المحليون العديد من الحالات الخاصة بتطبيق الأمن؛ وقعت العديد من الحوادث التي أسفرت عن إثارة اضطرابات وتوترات، وهو ما يرجع جزئيًا إلى عدم وجود قدر كافٍ من المساءلة؛ ذلك أن توافر الخدمات الأساسية، مثل: الرعاية الصحية – لا سيما في المناطق الريفية – عند حدودها الدنيا، مع ارتفاع معدل وفيات الأطفال والمعدلات العالية نسبيًا من الأمراض المتوطنة مثل الملاريا؛ إذ تُعدُّ “بوركينا فاسو” أكبر دول العالم من حيث المساهمة بعدد الجنود في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ذلك أنها تحقق إيرادات عالية، لكنها لا تزال بحاجة ماسة إلى هؤلاء الجنود في الوطن للتركيز على تحسين الوضع الأمني الداخلي.

ونتيجة لذلك، فقد اتسع نطاق التهديد الإرهابي على طوال الحدود مع مالي ليصل إلى أجزاء أخرى بالبلاد؛ فقد شهدت منطقة “إيست”، وهي إحدى المناطق الإدارية الثلاث عشرة بالبلاد، زيادة مفاجئة في الهجمات الإرهابية في إحدى المناطق النائية بغرب إفريقيا. وفيما يبدو أنه بداية لتمرد طويل، وقعت هجمات ضد المسؤولين الحكوميين المحليين والمدارس والمعلمين. وقد أوجد تنظيم “داعش في الصحراء الكبرى” لنفسه موطئ قدم في الجانب الشرقي، إذ يقال إنه يسعى إلى دمج نفسه بين السكان المحليين كجزء من جهوده لزيادة توظيفهم لخدمة أهدافه. وقد أدى هذا الانتشار للنشاط الإرهابي، بالإضافة إلى فتح جبهة جديدة شرقي البلاد، إلى تزايد خطر الهجمات التي تمتد عبر الحدود مع غانا وبنين وتوغو.

ورغم النجاح النسبي في تفادي خطر التهديد الإرهابي خلال السنوات الأخيرة بدرجة كبيرة، فقد حذر المسؤولون الحكوميون بهذه الدول، مرارًا، من خلال معلومات استخباراتية، من احتمال وقوع هجمات إرهابية، لكن لم يتم التعامل معها بجدية. وحاليًا، مع وجود جماعات مثل تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، وتنظيم “داعش في الصحراء الكبرى”، يبدو الخطر متزايدًا بدرجة ملحوظة.

وفي شهري نوفمبر وديسمبر 2018، هاجم تنظيم “داعش في الصحراء الكبرى”، مدرسة وحانة قريبة من الحدود مع “بنين”. وكما يشير يعقوب زين، خبير الإرهاب، فإن سكان المنطقة الشمالية من البلدان الثلاثة مسلمون في المقام الأول، مما يعرض هؤلاء السكان لخطر التطرف إذا ما ترسخت الأيديولوجيات الإسلامية المتطرفة. وللمساعدة في مكافحة التطرف المتزايد في “بوركينا فاسو” والحيلولة دون انتشاره، قدمت كلٌّ من فرنسا ومجموعة دول الساحل الخمس، وهي التي تدخل في شراكة بمنطقة الساحل المتأثرة بالإرهاب، قوات إلى المنطقة، بما يفرض عليها تركيز المزيد من الجهد على “بوركينا فاسو” بدلاً من التركيز الحالي على مالي والنيجر.

وكذلك ينبغي تركيز المزيد من الجهد المتواصل لدعم الأجهزة الأمنية في “بوركينا فاسو” وقدرتها على مكافحة الجماعات الإرهابية على نحو مسؤول. فبالإضافة إلى ذلك، لاتزال هناك الحاجة للمزيد من الدعم التكتيكي من جانب الدول المجاورة والقوى الدولية لجمع المعلومات الاستخبارية والمشاركة في كافة أنحاء المنطقة لمنع الهجمات قبل وقوعها.

وينبغي – أيضًا – أن تكون مكافحة الإرهاب شاملة شمال شرق نيجيريا و”بوكو حرام”، ودراسة أوضاع المنطقة التي يتجذر فيه النشاط الإرهابي بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية المتردية ورد الفعل الأمني البطيء. فضلا عن ذلك، هناك حاجة ماسة للاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة لدى السكان المتضررين في “بوركينا فاسو”، وكذلك ضمان أن تكون عمليات مكافحة الإرهاب شاملة وعلى درجة عالية من الإنسانية، وفي الوقت نفسه تعمل على دعم برامج مواجهة العنف والتطرف. وبالرغم من ذلك، فإن المساعدات الأمنية ليست كافية، ذلك أن “بوركينا فاسو” لا تزال بحاجة شديدة إلى الجهود الإنسانية والتنمية على حد سواء، ولا سيَّما من أجل معالجة الأزمات الصحية المتنامية. وهذا من شأنه أن يوفر لبوركينا فاسو وجيرانها، أفضل أمل في الحد من خطر انتشار الإرهاب عبر الحدود.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: مجلة السياسة الخارجية (فورين بوليسي)

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر