الأكراد بين عامين.. طعنة في الظهر ومستقبل على المحك

التاريخ والوقت : الأربعاء, 13 فبراير 2019

مثَّل عام 2018 تحديًا كبيرًا للأكراد بعد عدة سنوات شهدت أحلامهم فيها استقرارًا شبه نسبي في الدول الأربع التي تشكل أجزاء الدولة الكردية وتمثل حلمهم القديم، وهي: إيران والعراق وتركيا وسوريا.

ويمكن رصد أبرز هذه التحديات في نقطتين هما:

الأولى، رفض المجتمع الدولي والإقليمي نتائج الاستفتاء الذي أجراه الإقليم في سبتمبر من عام 2017 لإعلان الرغبة الشعبية في الاستقلال عن الدولة العراقية وإقامة الدولة الكردية بعد عشرات الأعوام من الكفاح في سبيلها،وأعقبهذا الرفض وتنصل القوى الكبرى من تأييدها الكرد في تقرير المصير، عملية خذلان من الأصدقاء والحلفاء، بخاصة الولايات المتحدة الأميركية التي أعلنت أنها لا تؤيد مثل هذا الاستفتاء وأنه قد يؤدي إلى تشتيت الانتباه عن التعامل مع تنظيم “داعش” الذي كان يحتل – وقتها – مساحات شاسعة من الأراضي العراقية، كما اعترض مجلس الأمن الدولي على الخطوة باعتبارها قد تزعزع استقرار المنطقة.

والأخرى، كانت نهاية سيطرة الأكراد على مدينة كركوك التي فرضوا قوتهم عليها بعد نجاهم في دحر تنظيم “داعش” الذي سيطر عليها عقب انهيار القوات العراقية بها. وشكَّل دخول القوات التابعة للحكومة العراقية، بزعامة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، إلى مدينة كركوك، الضربة الكبرى للجهود الكردية التي أرادت استغلال ضعف الحكومة المركزية وفرض أمر واقع جديد على الأرض يتمثل في ضم كركوك، المدينة متعددة الأعراق والغنية بالنفط، إلى كردستان لتكون ضمن الدولة الجديدة.

هدنة في دولة وأزمة في أخرى

ورغم أزمة الاستفتاء ورفض المجتمع الدولي له، فإن الإقليم تمكن من تجاوز الأزمة، وسرعان ما أعاد ضبط علاقاته مع جارتيه إيران وتركيا، حيث كان حصار خانق يوشك أن يفرض على الإقليم، لتنتقل الأحداث الكردية الملتهبة إلى الجارة سوريا وشمالها الذي يخضع لحكم ميليشيات كردية أبرزها “وحدات حماية الشعب الكردية”، أو “واي بي جي”،وهي الجناح المسلح لحزب الاتحاد الديمقراطي، بالإضافة إلى حزب العمال الكردستاني، الذي يناصر زعيمه المعتقل بتركيا “عبدالله أوجلان” ويتخذ من جبال قنديل قاعدة ومنطلقًا لعملياته. وتأسست هذه القوات في 10 أكتوبر عام 2015 عندما أعلنت الولايات المتحدة الأميركية عزمها على تقديم دعم لفصائل مقاتلة لمواجهة “داعش”، وعرَّفت هذه الميليشيا نفسها بأنها “قوة عسكرية وطنية موحدة لكل السوريين تجمع العرب والكرد والسريان وكافة المكونات الأخرى”. ويبلغ تعداد هذه القوات نحو 45 ألف مقاتل على أقل تقدير وتسيطر على حوالي 35 ألف كم مربع من إجمالي 185 ألف كم مربع هي مساحة سوريا، وخاضت معارك طاحنة ضد “داعش” كان أبرزها معركة عين العرب “كوباني” عام 2015، وتتلقى دعمًا استشاريًا وماديًا من الولايات المتحدة.

شهد عام 2018 تحولات كبيرة في مسيرة الحالة الكردية السورية، كان أبرزها نجاح “قوات سوريا الديمقراطية” في طرد تنظيم “داعش” من معظم الأراضي التي كان يسيطر عليها، خاصة في عاصمة خلافته (الرقة)، إلا أن التوجهات التركية واستهدافها للوجود الكردي العسكري على حدودها مثَّل الهاجس الأساسي للتنظيمات والميليشيات الكردية في سوريا.

تشكل ملامح الصراع

انحسر “داعش” وتبددت قدراته البشرية والمادية كثيرًا خلال العام الماضي، ولم يتبقَ له داخل الأراضي السورية إلا جيوب صغيرة، في حين فقد أراضيه بالعراق، بسبب ضربات التحالف الدولي بقيادة أميركا جويًا من جهة، والقوات الحكومية في سوريا والعراق وحلفائهم من ميليشيات أخرى من جهة أخرى.

وأمام النجاحات الكبيرة التي حققها نظام بشار الأسد، وتمكنه من السيطرة على الأراضي التي فقدها خلال سنوات الثورة، بمساعدة روسيا وايران، فإن المواجهات الأخيرة بدأت تتبلور وتظهر ملامحها، إذ لم يعد هناك سوى إدلب في الشمال التي تخضع للنفوذ التركي وتتسيد فيها جماعات تعمل مع تركيا ولصالحها، و”قوات سوريا الديمقراطية” التي تسيطر على الشمال الشرقي، وتعتبر تركيا الميليشيات الكردية الموجودة فيها تنظيمات إرهابية يجب القضاء عليها، قبل الوصول إلى حلول سياسية لا ينبغي أن تكون هذه التنظيمات جزءًا منها.

مثَّل الموقف التركي المعضلة الأكبر أمام الحالة الكردية السورية، إذ يستعين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بجماعات سورية توجد بالشمال السوري، نجح النظام وروسيا في نقلهم إلى هناك، ليكونوا طليعة القوات المدافعة عن الحدود التركية، إلا أنه يهدد دومًا بشن عمل عسكري واسع داخل الأراضي السورية للقضاء علىالجناح السوريلحزب العمال الكردستاني، وهو ما قد يعوق الجهود التي يتم حشدها لاقتلاع تنظيم “داعش” نهائيًا من المنطقة.

ترمب يهدد تركيا

تحدث الجميع عن أن الأكراد هم أكثر الفئات التي تسعى القوى العالمية للتلاعب بها لخدمة مصالحها، فالكرد الذين يبحثون دائمًا عن حليف قوي لرعاية قضيتهم، غالبًا ما ينفض عنهم في المسائل الحرجة والجوهرية بالنسبة إليهم، كان أهمها الاستفتاء الذي تاقوا إليه كثيرًا، ومن هنا يتخوف البعض من الانسحاب الأميركي من سوريا. لكن هذا القول تغير في اللحظات الأخيرة؛ فالرئيس الأيمركي دونالد ترمب، رغم التفاهمات الأخيرة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عقب إطلاق تركيا سراح القس الأميركي المعتقل لديها، هدَّد – بصورة يمكن وصفها بالعنيفة – الدولة التركية بأنه سوف يدمر اقتصادها إذا ما هاجمت الأكراد. تهديدات ترمب لم توضح أي جهة تلك التي حذَّر من استهدافها ضمن الصفوف الكردية.

مصالح أردوغان مهددة

شكَّل التهديد الأميركي للموقف التركي المعادي للأكراد حجرة عثرة أمام أحلام الرئيس التركي، فأردوغان الذي كان يستعد لعملية عسكرية ضد المقاتلين الأكراد وتصنفهم دولته كجماعات إرهابية اصطدم بالموقف الأميركي الجديد الذي قد يؤدي الى خسائر كبيرة للاقتصاد التركي، كما حدث العام الماضي وقت أزمة الليرة التركية. هذا التهديد ربَّما يدفع أردوغان لإعادة قراءة المشهد مرة أخرى وعدم الفرحة بإعلان ترمب عن سحب قواته من سوريا حيث لن تكون لقمة سائغة له يفعل بها ما يشاء.

وزير خارجية (PKK) يحذر إيران

الوضع الملتبس والمضطرب للوجود الكردي وتآمر القوى الإقليمية على القضية الكردية، دفع وزير خارجية PKK))، وهو حزب العمال الكردستاني، إلى إطلاق تصريحات تفهمها جهات عدة، على رأسها تركيا وإيران؛ فرغم اعترافه بأن إيران تشهد هدوءًا على مستوى القضية الكردية، فإنه أسماه بالهدوء الذي يسبق العاصفة، مشيرًا إلى أن الأكراد هناك معجبون بنهج حزب العمال الكردستاني المقاوم، وربَّما يلجؤون لتغيير هذه الاستراتيجية في التعامل مع إيران إذا ما لجأت الأخيرة لشن هجمات كبيرة بالتعاون مع نظام الأسد ضدهم.

الطرف الآخر المعني بتصريحات الوزير الكردستاني كانت تركيا، إذ قال إن المقاومة ستبقى موجودة حتى يحصل الأكراد على حقوقهم كاملة.

نتائج وتوقعات مستقبلية

أصبح مستقبل الكرد في سوريا رهينًا بالتفاهمات الدولية، بين القوى الكبرى والإقليمية، خاصة أن الانسحاب الأميركي مثل ضربة قاصمة لهم، فمن المتوقع أن يشهد هذا المستقبل القريب تغيرات كبيرة قد يكون من بينها ما يلي:

– أن يتوصل الأكراد إلى تفاهمات مع روسيا ونظام الأسد للإبقاء على الحكم الذاتي مع فرض الجيش السوري هيمنته على المنطقة لمنع الهجوم التركي وتهديد وجودهم بالشمال السوري.

– قد يؤدي تغير الموقف الأميركي ودعمه الواضح للأكراد إلى أن يدفع الرئيس التركي الجماعات المسلحة الموالية له بسوريا للقيام بمحاربة الأكراد نيابة عنه.

– تدخل الولايات المتحدة الأميركية اقتصاديًا ضد تركيا إذا ما هاجمت الأكراد ونقل الصراع إلى صراع أميركي – تركي، قد يكون سببًا في عدم سحب القوات الأميركية من سوريا، بل دعمها لتهديد أردوغان وعدم ترك الأكراد فريسة له.

 

وحدة الدراسات السياسية*

المراجع

1- بعد إعلان دونالد ترمب الانسحاب من سوريا، ما هي خيارات الأكراد في المرحلة المقبلة؟ بي بي سي عربي. https://bbc.in/2UBmCrd

2- احتمال تحالف تركيا مع أكراد سوريا يومًا ما، معهد واشنطن للدراسات. https://bit.ly/2S4FX7w

3- بعد الانسحاب الأمريكي.. ما مستقبل مناطق سيطرة الأكراد في سوريا؟ إرم نيوز. https://bit.ly/2F3WMZv

4- التهديدات التركية تدفع سريعًا الأكراد إلى حضن الأسد، ميدل إيست أون لاين. https://bit.ly/2BgBC6Q

٥- وزير خارجية PKKلـ”عكاظ”: هدوء ما قبل العاصفة في إيران.. وأولويتنا تركيا، عكاظ. https://bit.ly/2SgL0kH

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر