الأزمة في روسيا

التاريخ والوقت : السبت, 9 فبراير 2019

فيصل الشمري

 

فشل “فلاديمير بوتين” في الوفاء بوعوده الانتخابية لخلق اقتصاد حديث لا يعتمد على النفط، متنوع له أثر في الشارع الروسي. انخفض تصنيف الثقة للرئيس “فلاديمير بوتين” إلى أدنى مستوى له منذ 13 عامًا، وفقًا لاستطلاع الرأي الذي أجراه مركز أبحاث الرأي العام الروسي، (مركز مدعوم من الحكومة الروسية)، إذ قال 33 في المئة فقط من الروس إنهم يثقون في الرئيس. احتمالية الخطأ واردة نسبيًا، يمكن أن تكون النسبة غير موثوقة فيها، والآراء متقلبة، لكن مثل هذا الاستطلاع في بلد مثل روسيا، الحكومة تسيطر على المعلومة، ربَّما يكون مؤشرًا مهمًا جدًا على الاستياء العميق الناجم من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمع الروسي.

منذ أكثر من ربع قرن، سقط الاتحاد السوفييتي لأن الأمور الاقتصادية توقفه عن العمل. كانت الدولة مركزية في إدارة المجتمع وإدارة الاقتصاد. بعد وفاة “جوزيف ستالين”، كان هناك شعور بالأمل داخل المجتمع الروسي بشأن الاقتصاد؛ وهذا الأمل بسبب دعم الحكومة السخي للعامة، حتى عندما فشلت في تلبية التوقعات لم يتلاشَ. ولكن بحلول الثمانينيات من القرن الماضي، كان اعتقاد الروس من العامة بأنهم يستطيعون إعالة أسرهم، وأن الهوة بينهم وبين النخبة (النخبوية البيروقراطية) ستتلاشى. وما غير رأي العامة العاملة هو ليس حسدًا أو غضبًا على النخبة؛ فقد نما الروس ليتوقعوا مستوى معينًا من عدم المساواة ـ ولكن تلاشي الأمل. كان لديهم القليل ولن يحصلوا على المزيد. والأسوأ أنهم يفتقرون إلى هذا الأمل لأطفالهم، غدًا لن يكون أفضل من اليوم.

كان هذا الموقف نتيجة لأربعة عوامل: أولاً، عدم الكفاءة المتأصلة في الجهاز السوفييتي، الذي لم يستطع بناء اقتصاد حديث. ثانيًا، اختلاف السلع المتاحة، ليس فقط بالنسبة للنخبة، بل أيضًا إلى السوق السوداء المزدهرة التي تعمل بشكل متكرر بالعملات الأجنبية، التي ليست متاحة لمعظم الروس. الثالث، انخفاض أسعار النفط، التي حطمت ميزانية الدولة. وأخيرًا، الصرف العالي على الإنفاق الدفاعي، مصمّم على مجاراة الإنفاق الأميركي وإقناع الروس بأنه رغم كونهم فقراء، إلا أنهم ما زالوا يعيشون في بلد قوي. وذلك عامل قومي قوي لأمة عاشت خلال الغزو الألماني.

في عام 1991، عندما انهار الاتحاد السوفييتي، لم تكن هناك ثورة. كان هناك مجرد استنزاف. لقد استنفدت النخبة محاولة دفع صخرة الاقتصاد والمجتمع السوفييتيين إلى أعلى تل شديد الانحدار. وكان الناس مرهقين من الوقوف في خطوط لساعات لشراء الضروريات الأساسية. كان الإحساس العام بالفشل واضحًا ليس فقط في العواصم والمدن البعيدة، ولكن في حياة الروس نفسها.

اختار المكتب السياسي “ميخائيل جورباتشوف” لحل هذه المشاكل. ووعد بالانفتاح وإعادة الهيكلة. لكن الانفتاح لم يكشف إلا عن الظروف الكارثية للاقتصاد، ولم تنجح إعادة الهيكلة، التي قام بها أولئك الذين خلقوا الكارثة في المقام الأول. كل ما فعله “جورباتشوف” هو إضفاء الشرعية على المخاوف الاقتصادية.

تمَّ استبدله بـ”بوريس يلتسين” لكنه لم يفعل شيئًا لحل المشاكل الاقتصادية العالقة. واستفاد الكثيرون من الممولين الغربيين والاستشاريين والنخبة البيروقراطية والروس. الخصخصة تتطلب بعض المفاهيم الخاصة، في بلد عاش لأجيال المبدأ الاشتراكي القديم “المال هو السرقة”.

لم يكن باستطاعة “يلتسين” الاستمرار وكان بديله “فلاديمير بوتين”، الذي كان له جذور في الاتحاد السوفييتي القديم وفي روسيا الجديدة. كان عميلًا لـ KGB، وهي الاستخبارات في الاتحاد السوفييتي. (بالنسبة لدولة شاسعة وغير مرتبطة بشكل جيد مثل روسيا، كانت الحكومة المركزية القوية والشرطة السرية دائمًا مفتاحًا لربط الأمة معًا). وخلال الفترة التي قضاها كنائب لرئيس بلدية سان بطرسبرغ، كان متشابكًا مع الأوليغاركيين، الذين أصبحوا أثرياء روسيا.

جاء “بوتين” إلى السلطة بسبب هذه الروابط. بعد “يلتسين”، كان الروس يتوقون إلى زعيم قوي، صاحب خبرة حقيقية على صلة بـ KGB لقد قبلوا صلاته مع الأوليغاركيات باعتبارها ببساطة جزءًا من كيف يعمل العالم.

ووعد “بوتين” بجعل روسيا مزدهرة ومحترمة في العالم. للقيام بذلك، كان عليه بناء اقتصاد حديث. كانت روسيا تعتمد بشكل كبير على تصدير المواد الخام، وخاصة النفط والغاز الطبيعي. لم يتمكن “بوتين” من التحكم في سعر هذه السلع؛ لذا كانت روسيا عرضة على الدوام لتقلبات العرض والطلب العالميين. كان أمام “بوتين” خيار: السماح للاقتصاد بالتدهور والبلد ينزلق إلى حالة من الفوضى، أو يركِّز الحكم مرة أخرى. اختار اللامركزية، تركيز السلطة في موسكو وتوزيع الأموال من ميزانية الدولة إلى المناطق. عندما كانت أسعار النفط تتجاوز 100 دولار للبرميل، كان “بوتين” يتمتع بفرصة القيام باستثمارات ضخمة في صناعات جديدة. لكنه كان مدينًا للأوليغاركيين، وهم معه. أي إصلاحات اقتصادية يمكن أن تهدد هذه العلاقة.

ثم، في عام 2014، انخفضت أسعار النفط. على الرغم من أنهم استعادوا بعض الشيء من أدنى نقطة، إلا أنها ما زالت منخفضة. العقوبات الغربية زادت الخسائر. حتى عام 2018، كان لدى روسيا صندوقان احتياطيان. ولكن بعد انهيار أسعار الطاقة، تمَّ استنفاد أحد الصناديق، ومنذ يناير 2018، بقي صندوق الثروة الوطنية فقط. في محاولة لتجديد ميزانية الدولة، قرر “بوتين” إصلاح نظام التقاعد. وبعد سبعة أشهر فقط من إعادة انتخابه في مارس، وقَّع على قانون غير شعبي الذي سيزيد تدريجيًا سن التقاعد للنساء من 55 إلى 60 وللرجال من 60 إلى 65.

ومن ثَمَّ نسبة الثقة 33 في المئة. هذا التصنيف هو أكثر أهمية اجتماعيًا في روسيا مما سيكون عليه في أي مكان آخر. ووعد “بوتين” بجعل روسيا دولة قوية حديثة. لقد فشل في تحقيق النقطة الأولى، ولم تكن غزواته في سوريا وأماكن أخرى تعوض عن تدهور الأوضاع الاقتصادية. يتم تذكير الروس الكبار ما كان وما تَمَّ إلغاؤه. يواجه الروس الأصغر سنًا ظروفًا مشابهة لتلك التي أخبرهم أجدادهم بها (فقدان الأمل).

هناك مساران محتملان للأمام، أحدهما هو الحل الروسي القديم المتمثل في تمكين الشرطة السرية من سحق المعارضة، على الرغم من أنه ليس من الواضح أن جهاز الأمن الفيدرالي اليوم، أو FSB، يتمتع بنفس القوة التي تتمتع بها مؤسساته السابقة. أعتقد أن تسميم جاسوس روسي سابق في بريطانيا يهدف في جزء منه إلى إرسال رسالة إلى جهاز الأمن الفيدرالي، ليس فقط لإخافته، ولكن أيضًا لإخبار عملائه بأنهم بحاجة إلى الحفاظ على سلامة الأمة الروسية.

المسار الآخر هو إعادة تمثيل لسقوط الاتحاد السوفييتي. قليلون حريصون على استعادة فترة التسعينيات، لكن الانهيار ليس نتيجة التصويت. إذا بقيت أسعار النفط منخفضة، فستبقى العقوبات في مكانها، ولا تزال الاحتياطيات تتضاءل، ويهتم مجلس FSBبالعمل التجاري أكثر من التضحية بالدولة الروسية، ومن الصعب رؤية سيناريو بديل.

لا يمكن لأي قوة أجنبية أن تأتي إلى مساعدة روسيا. هناك خيال في روسيا حول تحالف مع الصين، لكن موسكو بعيدة عن بكين، ومشاكل الصين في الوقت الراهن أكثر حدة. يمكن أن يحاول الكرملين الدخول في حرب لزيادة الروح المعنوية، ولكن هناك خطر قد يخسره أو أن الصراع سيستمر لفترة أطول من تلك المتوقعة على أعلى المستويات.

تواجه روسيا الآن ظروفًا مشابهة لتلك التي واجهتها في الثمانينيات: انخفاض أسعار النفط وارتفاع تكاليف الدفاع. الناس ليسوا غاضبين، لكنهم مستائون، وفي الوقت المناسب قد يصبحون مستنزفين ببساطة، كما كانوا في ثمانينيات القرن الماضي. روسيا شاسعة وتحتاج إلى حكومة مركزية قوية لتجميعها معًا، لكن الحكومات المركزية ليست جيدة في إدارة الاقتصادات. وبالتالي، يجب على الشرطة السرية أن تعمل على تماسك البلاد. إذا لم يكن ذلك ممكنًا أو غير ممكن، فقد ينهض زعيم من نوع “جورباتشوف” لإصلاح الاقتصاد، وقد يتبعه زعيم من نوع “يلتسين” لترؤس ثورة الأمة.

كتب “كارل ماركس” ذات مرة أن التاريخ يعيد نفسه، أولاً كمأساة ثم مهزلة. كيف أصبحت هذه القاعدة في روسيا، أصبحت أكثر وضوحًا يومًا بعد يوم.

 

كاتب ومحلل سياسي*

@Mr_Alshammeri

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر