اقتصاد ميانمار.. خطر البقاء على حالته الراهنة

التاريخ والوقت : الإثنين, 5 نوفمبر 2018

بيتر جانسين

 

مع تلاشي الآمال بمستقبل مزدهر لميانمار تحت رعاية “أونغ سان سو كي”، فإن مجتمع الأعمال في البلد هو الذي يدفع ثمن الاقتصاد المتعثر، كما أنه يتوسل للحصول على مساعدة حكومية من غير المحتمل أن تتحقق.

 

فقد خفض البنك الدولي من توقعاته بشأن النمو الاقتصادي في ميانمار خلال العام المالي 2018 – 2019 الذي ينتهي في 31 مارس، إلى 6.2٪ مقارنة بتوقعاته السابقة البالغة 6.8٪ ويرجع ذلك التباطؤ إلى عوامل محلية مثل الفيضانات والتضخم.

 

لا تبدو البيانات الاقتصادية للبلد على نحو جيد، فقد بلغت الموافقات على طلبات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال الفترة من أبريل إلى سبتمبر الماضي نحو 1.7 مليار دولار، مقارنة بـ3 مليارات دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي؛ حيث بلغ معدل التضخم 8.5٪ مقارنة بـ5.5٪ في العام الماضي، كما انخفضت قيمة العملة بنسبة 25٪ خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما ارتبط بدرجة كبيرة بقوة الدولار أمام تلك العملات.

 

تدهور وضع العملة

لقد تعامل بنك ميانمار المركزي مع انخفاض قيمة العملة بدرجة معقولة من العقلانية، ما سمح بتعويم العملة المحلية مقابل الدولار؛ ذلك أن احتياطات ميانمار من العملات الأجنبية تغطي ثلاثة أشهر من الواردات، وهو ما أسهم بإزالة فرق التداول ووقف عمليات إعادة تصدير النفط والسكر إلى الصين؛ فقد قام التجار باستيراد هذه المواد بالدولار، ثم إعادة تصديرها عبر الحدود إلى الصين، مما خلق طلبًا لا داعي له على الدولار.

 

وفي هذا السياق، فقد كانت ثمة إمكانية أن يفرض البنك المركزي، بوضعه المضطرب، السيطرة على رأس المال، وهو ما من شأنه أن يمنع الدولارات من التدفق، وأن يمنع الواردات، في ظل أسعار صرف ثابتة.

 

وفي حين استقر وضع العملة المحلية لميانمار إلى حدٍّ ما في أكتوبر عند أقل من 1600، لا تزال هناك إمكانية للسقوط مستقبلاً، ما يشكل تهديدًا حقيقيًا للاقتصاد الذي تقوده الدولة في ميانمار.

 

إلى جانب ما سبق، فإن ما تحتاجه ميانمار بشأن العملة يكمن في إجراءات طويلة الأجل، كالبنية التحتية لدعم عمليات التصنيع، والتغلب على المعوقات الحكومية التي تواجه التصدير، وتشديد الرقابة على الحدود، وذلك من أجل تعزيز التجارة بشكل عام، ومواجهة مشكلة احتياطي العملة، ولا سيما من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يعوض نقص العملة بشكل كبير.

 

لقد شهدت الفترة الأخيرة نموًا ملحوظًا لمجتمع الأعمال في ميانمار بما في ذلك الاستثمار الأجنبي المباشر الذي انطلق بعد أن انفرجت الأمور والعقوبات الغربية التي تمَّ رفعها عن الدولة التي كانت منبوذة ذات يوم خلال عام 2012، كما طرأ على ذلك الأمر نمو ظاهر على يد الحكومة المنتخبة بقيادة “أونغ سان سو كي” رئيس تجمع الاتحاد من أجل الديمقراطية؛ فخلال شهر سبتمبر 2018 صدر تقرير عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بشأن انتهاكات مزعومة من قبل جيش ميانمار في أغسطس 2017، والذي أرسل 700 ألف من مسلمي الروهينجا عبر الحدود إلى بنجلاديش، وهو ما صاحبه دعاوى للتحقيق مع جنرالات ميانمار بشأن “الإبادة الجماعية”. وبما أن الجيش يمثل جزءًا من حكومة “سوكي”، فإن الدستور الذي يلقى حماية من الجيش عام 2008، حيث يضمن له نسبة 25% من مقاعد البرلمان والسيطرة على وزارتي الدفاع والداخلية.

 

وإلى جانب سجن اثنين من مراسلي “رويترز” على خلفية الكتابة عن جريمة الإبادة الجماعية، فقد قام “راخين” بوضع حد للصخب الذي ساد البلاد في نوفمبر 2015، بعد انتصار “التجمع الوطني من أجل الديمقراطية” في الانتخابات. وهي العملية الانتخابية التي كان لرأس المال السطوة خلالها بشكل ضخم، وذلك وفقًا لـ”فيليب لاوريسين” المدير التنفيذي لشركة “يوروكام” ميانمار.

 

ولا يزال التهديد بفرض عقوبات اقتصادية جديدة قيد النظر، حيث ستقوم لجنة التجارة التابعة للاتحاد الأوروبي بإيفاد فريق إلى ميانمار أخيرًا من أجل النظر في عملية سحب نظام “التفضيل المعمم” في ميانمار، وهي الخطوة التي تهدد قطاع تصدير الملابس الناشئ في البلاد، الذي كلفها 2.7 مليار دولار العام الماضي، وذلك مع وصول معظم الشحنات إلى أوروبا.

 

كذلك، فإن فقدان وضع نظام “الأفضليات المعمم”، ومعه نحو 300 ألف وظيفة في المصانع، من شأنه أن يؤدي إلى احتجاجات في الشوارع بأماكن أخرى، لكن من غير المحتمل أن يحدث ذلك في ميانمار. ووفقًا للبعض، فلن ينظر إلى الأمر بمنطق “لماذا لا يتعامل التجمع الوطني من أجل الديمقراطية” مع الوضع القائم، كما سينظر إلى المجتمع الدولي باعتباره من يمارس العنف والاضطهاد؛ حيث تقوم جماعات بوذية قومية متطرفة بتنظيم تجمعات حاشدة ضد التدخل الغربي.

 

ومن ثَمَّ، فمن غير الواقعي أن يتخيل الاتحاد الأوروبي أن فرض العقوبات سيجبر الحكومة التي يقودها “التجمع الوطني من أجل الديمقراطية” على وضع جنرالاتهم المشاكسين في الحسبان. فالجيش شريكٌ لـ”سو كي” في الحكومة، شئنا أم أبينا. لكن هناك الكثير من الأشياء التي يمكن لـ”التجمع الوطني من أجل الديمقراطية” القيام بها لتحسين البيئة التجارية والاقتصادية الحالية في ميانمار، والتي لا تؤثر على وضع “راخين”.

 

استعادة المصداقية

إن البلد في حاجة ماسة للاستثمار في قطاع الطاقة لتوفير الكهرباء للسكان والمستثمرين المحتملين. كما تحرص الشركات الأجنبية على الاستثمار في هذا القطاع، وخاصة في مجال بدائل الطاقة النظيفة. لكن الحكومة رفضت رفع أسعار الكهرباء، وهي خطوة ضرورية لجعل الاستثمار في هذا القطاع مجديًا من الناحية التجارية. وبدلاً من ذلك، تستمر الدولة في دعم إمدادات الكهرباء الحالية لتصل إلى 500 مليون دولار سنويًا، وهو ما يمثل عبئًا كبيرًا على الميزانية الوطنية البالغة 15 مليار دولار. كما أن رفع معدلات الكهرباء لا يحظى بشعبية على المستوى السياسي، لكن من يحصلون على الكهرباء بشكل فعلي لا يمثلون سوى 30٪ فقط. وهناك – أيضًا – القطاع المالي، حيث كان البنك المركزي يحاول تحسين تنظيم البنوك المحلية، مما أجبرها على خفض قروضها على المكشوف – وهي قروض بسعر فائدة ثابت يمكن تدويرها سنويًا – يصعب تقييمها. وقد يكون ذلك ضروريًا لأن النظام المصرفي في البلد يعاني من الضعف والتدهور، حيث تمثل القروض المتعثرة 15٪ تقريبًا من النظام.

 

ومع تشديد القوانين، يجب أن يتم السماح للبنوك بإقراض المزيد من المال، خاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعاني من التعثر؛ فقد كان المصرفيون المحليون يطلبون من البنك المركزي تخفيف ضوابط أسعار الفائدة، مما يسمح لهم بتقييم المخاطر الخاصة وتحديد أسعارهم الخاصة أيضًا، فضلاً عن تحديد فترات زمنية خاصة بهم على القروض، على أن يقتصر ذلك على فترة تتراوح بين عام وثلاثة أعوام؛ لكنهم حتى هذه اللحظة لم يتم الرد على طلباتهم.

 

وكما هو الحال مع أسعار الكهرباء، يمكن للمرء أن يجادل بأن ارتفاع أسعار الفائدة سيكون خطوة غير شعبية سياسيًا بالنسبة لـ”التجمع الوطني من أجل الديمقراطية”. ومع ذلك، فإن لدى سكان ميانمار من يملكون حسابات مصرفية ونسبة مئوية أقل بكثير، ولا يزال لديهم إمكانية الوصول إلى النظام المالي الرسمي.

 

إضافة إلى ذلك، يمكنهم تمرير تراخيص لشركات التأمين الأجنبية، أو السماح لها بمشاريع مشتركة مع الشركات المحلية، وهي الخطوة التي من شأنها أن تؤدي في نهاية المطاف إلى إنشاء قاعدة كيانات ضخمة لشراء السندات الحكومية. وبالتالي، فمن المرجح أن تؤدي الحركة على أي من هذه الجبهات إلى تعزيز الثقة في الإدارة الاقتصادية للحكومة وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر المتعثر، إن لم يكن من الغرب على الأقل فمن الشرق؛ إذ إن ما نحتاجه فقط هو إعلان مالي موثوق به، وكذلك إعلان هيكلي واحد موثوق به أيضًا. كما أنه سيظهر في المخطط السياسي الأوسع، حيث تكون الحكومة جادة في الملف الاقتصادي في وقت يعاني فيه من الغضب الدولي، كما يقول أحد الكتاب الاقتصاديين.

 

وقد أقرت الحكومة “قانون استثمار أجنبي” بشكل أكثر تحررًا، وقانون الشركات المعدّل؛ مما يسهّل على الكيانات الأجنبية الاستثمار في شركات ميانمار. ولكن مع انتخابات عامة، تلوح في الأفق في أواخر عام 2020، مخاوف من أن يكون “التجمع الوطني من أجل الديمقراطية” في منتصف الطريق. فخلال فترة عملهم بالفعل، فإنهم سيفعلون ما قاموا به حتى الآن، تجنباً لاتخاذ قرارات صعبة.

 

المصدر/ آسيا تايمز

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر