استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية ومفارقة التكنولوجيا

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 5 فبراير 2019

تشاد س. سيرينا، وكولين ب. كلارك

 

تؤكد استراتيجية الدفاع الوطني الحالية الدور الذي ستلعبه التكنولوجيا على الأرجح في قدرة الولايات المتحدة على التنافس بفعالية في النزاعات المستقبلية حول العالم، لا سيَّما تلك المناهضة لخصومها التقليديين. ومن المرجح أن يتم تطوير معدات أكثر قابلية للدفاع، وتطوير شبكات المعلومات، والقدرات المتصلة بالعالم “السيبراني”، وهو ما يُعدُّ أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة لغالبية مهام مكافحة الحروب في المستقبل، إن لم يكن كلها بالطبع. ويمكن أن يشمل ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي في اصطياد الأهداف والدفاع عن شبكة المصالح، وسهولة استخدام الروبوتات، والمركبات المستقلة بالنسبة للبعثات اللوجستية، أو مجموعات من الأدوات المستخدمة في تحديد المواقع والملاحة. فالاستراتيجية التي تركز على هذه القدرات ليست منطقية فحسب، بل إنها تبدو ضرورية إذا كانت الولايات المتحدة ستحافظ على مكانتها العسكرية. ومع ذلك، فإذا كانت تلك الاستراتيجية خالية من التطوير التعويضي في تدريب المهارات والمهام غير الفنية الأساسية التي تمَّ اختبارها مع مرور الوقت، فإن مثل هذه الاستراتيجية يمكن أن تزيد من اعتماد الولايات المتحدة العسكري على التكنولوجيا.

ومنذ نهاية الحرب الباردة، وخاصة منذ 11 سبتمبر 2001، قام الجيش الأميركي بتطوير التكتيكات والتقنيات والإجراءات غير الفنية الحاسمة مع تبني معدات وشبكات حروب جديدة مصممة بهدف استغلال التقدم التكنولوجي ونمو الفضاء الإلكتروني؛ لأهميتها الواضحة في النزاعات التي تنطوي على خصوم مؤهلين تقنيًا، ومهارات مثل قراءة الخرائط والملاحة البرية من خلال البوصلة. ذلك أن تقنيات استغلال الأغطية والإخفاء والقدرة على التشتيت؛ ومعها إجراءات تقليل الانبعاثات الإلكترونية، لم تحظَ بإمكانات مثل القدرة على تحديد هوية “الطائرات البصرية” بنفس الدرجة من الاهتمام كما فعلت خلال الحرب الباردة. وقد اعتبرت الكثير من هذه المهام قديمة؛ بسبب التقدم في تكنولوجيات مثل “أنظمة تحديد المواقع العالمية”، أو أنها تعتبر ذات قيمة أقل نسبيًا نظرًا لعدم وجود تهديدات من قبل القوات الجوية المناوئة.

لقد ساهمت الولايات المتحدة، في ظل الغياب النسبي لخصومها التقليديين خلال فترة ما بعد الحرب الباردة، وكذلك على مدار عشرين عام تقريبًا من المشاركة الأميركية في صراعات أقل حدة مثل مكافحة التمرد وعمليات مكافحة الإرهاب، في استخدام التكنولوجيا العسكرية بدلاً من الاعتماد على ما كان يمثل مهارات عسكرية أساسية. ومع ذلك، فإن التهديد المحتمل الناجم عن صعود خصوم، مثل: روسيا والصين وإيران، فضلاً عن توافر التكنولوجيا العسكرية المتقدمة على نطاق واسع بجانب جهات أخرى من الدول وغير الدول، كل ذلك جعل هذا الخيار غير قابل للتوظيف في مجال الدفاع على نحو معقول. ذلك أن هؤلاء الخصوم، وبفضل تمكنهم من التقنيات العسكرية المتطورة، أصبحوا أكثر قدرة مقارنة بتلك التي واجهتها الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين. ولهذا السبب، تجد واشنطن، على نحو متناقض، نفسها بحاجة إلى تطوير وتحسين شبكات قدراتها العسكرية المرتبطة بها، ولكنها لم تعد قادرة على استخدام هذه الشبكات والقدرات، بلا منازع تقريبًا، في حالة نشوب صراعٍ كبيرٍ.

ومع تبني الجيش الأميركي لشبكة جديدة، وتقنيات حديثة للفضاء الإلكتروني باستمرار، فإن نقاط الضعف المحتملة هي تلك التي تصاحب مثل هذه التقنيات، وذلك وفقًا لمكتب محاسبة الحكومة في الولايات المتحدة. وببساطة، فإنه عن طريق شن عمليات معقدة على الفضاء الإلكتروني ضد دول أخرى، فإن الولايات المتحدة تدعو بشكل أساسٍ إلى هجمات مماثلة ضد قيادتها وسيطرتها العسكرية، وكذلك ضد الأهداف المدنية والأهداف الخاصة والبنية التحتية الحيوية. في حين أن الولايات المتحدة ليست لديها ما تخشاه سوى القليل من الجهات غير الحكومية التي تستخدم الأسلحة التقليدية في ساحات المعارك، إلا أن القلق يتزايد بشكل ملحوظ حول الطرق التي يلجأ الإرهابيون والمتمردون من خلالها لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المستقبل بهدف تعزيز القدرة على تخطيط الشبكات الاجتماعية أو توجيه الهجمات بشكل أكثر إسرافًا من قِبَل أسطولٍ صغيرٍ من الطائرات التي تعتمد على “الذكاء الاصطناعي” المحملة بالمتفجرات.

وعلى الرغم من أن التهديد التكنولوجي الذي تشكله الجهات المؤثرة غير الحكومية في المستقبل قد يكون محدودًا، فإن القوى الكبرى مثل الصين وروسيا تمكنت من تطوير وسائل جديدة لإحباط تحركات القوات الأميركية أو تعطيل القدرات التكنولوجية الأساسية للبعثات العسكرية؛ فقد تكون استراتيجيات “منع الوصول”، والقدرات المضادة للأدوات المستخدمة في تحديد المواقع البحرية، وحافظات “الحرب الإلكترونية الموسعة”، والقدرة على الهجمات الإلكترونية “السيبرانية” والتسلل، مفيدة في حد ذاتها، لكنها أيضًا يمكن أن تنافس ما يُنظر إليه على أنه نقاط القوة التكنولوجية الرئيسية للولايات المتحدة بشكلٍ مباشرٍ مثل قوات الإنزال والملاحة العالمية والاتصالات في ساحات المعركة. لقد أدرك خصوم الولايات المتحدة أن حرية الحركة النسبية التي يتمتع بها الجيش الأميركي تعتمد على قدرته على استخدام شبكات القيادة والسيطرة والاتصالات المتقدمة بشكلٍ فعالٍ.

وتعتبر الحاجة إلى زيادة الاستثمارات في التكنولوجيا أمرًا صعبًا، إن لم يكن مستحيلاً، فيما يتصل بالانفصال عن المخاطر التي يشكلها الاعتماد العسكري المتزايد على هذه الأنماط من التكنولوجيا. ذلك أن تحقيق التوازن بين الاثنين لن يكون سهلاً. وبمجرد استخدامها، لا يمكن عندئذ إعادة استخدام الوقت والموارد المستثمرة في إمداد “الشبكات العسكرية” والحفاظ عليها ومراقبتها للتدريب من أجل تطوير “مهارات غير فنية” مماثلة. وهو ما يُعدُّ أمرًا مثيرًا للمشاكل، وبخاصة عند اعتبار أنه في حالةِ فشلِ هذه الشبكات أو عدم توافرها، فإن الأفراد العسكريين الأميركيين قد يواجهون صعوبة في التنقل أو القدرة لإطلاق المدفعية المباشرة أو حتى التواصل فيما بينهم، وهو ما قد يحد من قدرتهم على العمل بفعالية في ساحات المعارك المستقبلية.

إن مخططات دعم “استراتيجية الدفاع الوطني” التي تشدد على استمرار اعتماد التكنولوجيا، من أجل ضمان الفعالية العسكرية المستقبلية، في حاجة إلى إعادة التأكيد على قيمة “القدرة على تصور الحرب والقتال” في ظل غياب هذه التكنولوجيا. وللحفاظ على الحضور العسكري، ربَّما كان من الضروري استخدام إمكانات الشبكات والأدوات التي تدعم “الذكاء الاصطناعي”، و”التعلم الآلي”، والروبوتات، والأنظمة الذاتية، فضلاً عن مضاعفات القدرات المتطورة الأخرى. ومع ذلك، فمن المرجح أن تكون هذه التطورات متوازنة بقدرٍ متساوٍ فيما يخص الكفاءات العسكرية التقليدية والأساسية، مثل قراءة الخرائط والملاحة الأرضية، والقدرة على تحديد الطائرات، وتحديد الأهداف ومهارات الملاحقة، التي تدعم قدرات القتال التقليدية التي تمَّ اختبارها في المعارك.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: مجلة ناشيونال إنترنست (المصلحة القومية) الأميركية

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر