إريتريا وإثيوبيا تقارب طال انتظاره

التاريخ والوقت : الأحد, 8 يوليو 2018

جيديون جورين

 

جاء قرار الحكومة الإثيوبية، في وقت سابق من هذا الشهر، بإعلانها قبول “اتفاقية سلام طويل” مع إريتريا، بمثابة الفرصة التاريخية لتطوير العلاقات بين طرفي واحد من أطول الصراعات الدائمة في إفريقيا، وهو الصراع الذي اندلع في أعقاب حصول إريتريا على استقلالها عام 1991. لقد خلّفت ثلاثة عقود من الحروب بين الجانبين أجواءً مشحونةً بالعداوةِ، حيث توالت الحروب واحدة تلو الأخرى، بيد أن الطرفان يعملان على التوصل لاتفاق سلام نهائي، وكانت إريتريا قد حصلت على مدينة باديمي نتيجة المحادثات بين الطرفين من خلال عملية التحكيم، التي رفضت إثيوبيا ذلك من حيث المبدأ، إلا أن العنصر المحوري في هذا التغيير المفاجئ الذي تشهده إثيوبيا يكمن في رئيس وزرائها الجديد آبي أحمد.

 

ومنذ الإطاحة بالديكتاتور الشيوعي على يد المتمردين قبل 27 سنة، يُعدُّ آبي أحمد، أول رئيس وزراء يتم تعيينه نتيجة ائتلاف أربعة أحزاب، تضمها “الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية”، والمعروفة اختصارًا EPRDF، وينحدر من جماعة الأورومو. وتتشكل تلك الجبهة – بالأساس – من الجماعتين العرقيتين الأساسيتين في البلاد، وهما: التيجراي والأمهرا، اللتان دفع قربهما من الحدود مع إريتريا إلى تبني موقف أكثر تشددًا مع أسمرا.

 

وتشكل جماعة الأورومو التي ينتمي إليها أحمد، نحو 100 مليون نسمة تقريبًا، لكنها تعاني من التهميش تاريخيًا، ولعل وصوله إلى منصب رئيس الوزراء يدل على تغييرات واضحة في القيادة الإثيوبية طال انتظارها. وعلى ذلك، فليس من المستغرب أن يأتي أحمد بأجندة إصلاحية إلى حد بعيد. فقد استهل رئيس الوزراء الجديد، عهده بفتح المجال أمام شركات القطاع الخاص للعمل بحرية أكبر مما سبق، مع محاولة دعم شركات الطيران الوطنية التابعة للخطوط الجوية الإثيوبية المثقلة بالديون؛ فقد ألمح إلى إمكانية منح جميع الأفارقة، إمكانية دخول إريتريا من دون تأشيرة، وهو ما يسهم في تقديم حوافز وإغراءات للأفارقة تعزز وتيرة النمو في إريتريا، وذلك في محاولة من أحمد لمعالجة اقتصاد بلده المثقل بالجراح.

 

لقد نجح آبي أحمد، في الاستفادة من الأجندة الإصلاحية التي جاء بها، وهو ما من شأنه إعادة النظر في المسار الاقتصادي بمنطقة القرن الإفريقي. فقبل استقلال إريتريا، كان ميناء “عصب” يساهم بثلثي صادرات إثيوبيا للعالم. أمَّا اليوم، فتقوم جيبوتي بتشغيل هذا الميناء المهم بالبحر الأحمر، كما هو الحال في ميناء “بربرة” التي تسيطر عليه جمهورية أرض الصومال. هنا تصبح إعادة تنشيط التجارة بين إريتريا وإثيوبيا، سبيلاً لتحسين الأوضاع المعيشية لمواطني البلدين. بالإضافة إلى أن ذلك يسهم في تعزيز العلاقات الدبلوماسية في الوقت الذي تعاني منه منطقة شرق إفريقيا من الجفاف الدائم منذ سنوات. كما يمثل ذلك حجر الزاوية في التخفيف من آثار التدهور البيئي الذي تعاني منه المنطقة. وفي هذا السياق، جاء الإفراج عن الآلاف من السجناء والمعتقلين السياسيين، في الوقت الذي تخوض فيه الدولة محادثات مكثفة مع أحزاب المعارضةبشأن تعديل قانون مكافحة الإرهاب في البلاد.

 

وحتى هذه اللحظة، فقد حظيت خطوات أحمد، تجاه إريتريا، بردود فعل إيجابية، وإن كانت متدرجة. فقد اعترف الرئيس الإريتري إسياس أفورقي، بأن التطورات الأخيرة تتطلب اهتمامًا مناسبًا، وأعلن أنه سيرسل وفدًا إلى أديس أبابا لتحديد ملامح العمل المشترك بين أسمرا وأديس أبابا.

 

ومع ذلك، فإن ثمة بعض المؤشرات على معوقات ربَّما تواجه خطوات رئيس الوزراء الإثيوبي؛ فالديكتاتوريات بطبيعتها هشة، وربَّما لا يكون “أفورقي” نفسه استثناء من ذلك. كما أنه يراقب أحوال عددا من التجارب الإفريقية السابقة كما هو في حالة روبرت موجابي في زيمبابوي ويحي جامع في غامبيا. ورغم اختلاف تلك الأمثلة مع الحالة الإريترية، فإن ثمة متغيرات جديدة يمكن أن تؤثر في معادلة الأوضاع في شرق إفريقيا.

 

فعلى مر السنين تشتهر إريتريا بإرسال الكثير من القاصرين إلى معسكرات العمل القسري، والتجنيد الإجباري في سن الثامنة عشرة، حيث يطول ذلك النظام نحو 70% من الإريتريين الذين يعانون فقرًا مدقعًا، وهو ما حوّل ذلك البلد الفقير الذي استنزف ما يقرب من 12% من سكانه، إلى أكبر مصدِّر للاجئين.

 

وفي ضوء ما سبق، فإن تحسن العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، من شأنه أن يسهم في تحقيق الرخاء الذي ينتظره مواطنو البلدين. لكن الفرص الاستثمارية الجديدة يمكن أن تثير الرغبة في التطلع إلى التحرر السياسي، وممارسة المزيد من الضغوط على “أفورقي” لرفع قانون الطوارئ الذي يُكَبِّل البلاد منذ 1997 وتنفيذ الدستور. لكن حتى هذه اللحظة، فإن التقارب بين الجانبين يشوبه حذرٌ متبادلٌ، حيث ينبغي لكليهما تحديد أشكال التنازل المطلوبة فيما بينهما، علاوة على ذلك، فإن ثمة عقبات أخرى تواجه أحمد داخليًا.

وقد كشفت محاولة اغتيال آبي أحمد، في أديس أبابا، السبت الماضي، عن حجم الاختناق الذي يواجه رئيس الوزراء الجديد في مساعيه لإجراء مصالحة طموحة مع جماعات المعارضة. ومن ناحية أخرى، يظل سكان التيجراي في بلدة باديمي، وخاصة من قدامى المحاربين في الصراع الإثيوبي – الإريتري، معارضين بشدة لتوجهات أحمد للانفتاح على إريتريا، حيث يعتبرون أن ذلك يمثل خيانة لتضحياتهم. لكن يبقي من غير الواضح كيف ستتخلى إثيوبيا عن سيطرتها على باديمي لصالح أسمرا.

 

التطلع للأمام

مع ذلك يظل على الجانبين اتخاذ المزيد من التدابير التي تحد من القلق بشأن اتفاق السلام. وكدليل على حسن النية، ينبغي للجانبين تخفيف الحشد العسكري على الحدود فيما بينهما بدرجة معقولة. كما ينبغي أن يقترن ذلك ببروتوكولات جديدة تنظم الحركة واستخدام القوات لمنع اندلاع أية مواجهات أو تصعيدات محتملة.

ويمكن – أيضًا – الشروع في برامج متوازية للتنمية المشتركة بغرض تعزيز القدرات الاقتصادية للمناطق الحدودية؛ ذلك أن أي تحسّن اقتصادي من شأنه أن يهدّئ المخاوف من أي عمليات نقل مستقبلية للأراضي، مع إقامة روابط بناءة بين السكان المحليين على جانبي الحدود. ولمراعاة التباين في السوق بين العملتين الإثيوبية والإريترية، يمكن إشراك الهيئات الاقتصادية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، في تنفيذ آلية بديلة لتسهيل التجارة. كما ينبغي للمجتمع الدولي أن ينظر في احتمال رفع العقوبات المفروضة على إريتريا، وذلك لإغراء “أفورقي” وإقناعه بالمزيد من الالتزام. وبغض النظر عن سجل حقوق الإنسان الضعيف في إريتريا، فإن ثمة أدلة قليلة لدعم قرارات الأمم المتحدة السابقة التي تزعم دعم إريتريا لجماعات صومالية متطرفة. وبجانب أساليب أخرى، فإن رفع هذه الضغوط يمثل خطوة باتجاه تهيئة البيئة للمصالحة.

 

 إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات*

 

المصدر: آي 24 الإخباري  

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر