أين يمكن أن تكون الصين تحت قيادة “شي جين بينغ”؟

التاريخ والوقت : الأربعاء, 5 ديسمبر 2018

ديفيد شامباو

 

يُنظر إلى الرئيس الصيني “شي جين بينغ” على نطاق واسع بكونه أقوى زعيم صيني بعد “دنغ شياو بينغ”، أو “ماو تسي تونج”. لكن بعد ست سنوات من فترة عمله غير المحددة، ما الذي أنجزه “شي” بالفعل؟ وأين يمكن أن تكون الصين تحت حكمه؟

مثل جميع القادة الصينيين، ومنذ سبعينيات القرن التاسع عشر، عندما أطلق حكام أسرة “تشينغ” حركة “تعزيز الذات”، يسعى “شي” – أيضًا – إلى “التجديد العظيم للأمة الصينية”. وكانت المساعي الصينية قائمة منذ 150 عامًا للحصول على المقومات المادية لقوة دولية كبرى واحترام متناسب من الآخرين، وإن الأمر في حاجة إلى جهود جبارة، فما زال إرث الضعف والإذلال السابق للبلاد يزعج “شي” وجيله.

وكذلك الحال بالنسبة لانهيار حكم “الحزب الشيوعي” في الاتحاد السوفييتي السابق. وبعد أن وصل “شي” للحكم حاليًا، مثل نظرائه السوفييت، يعيش هو وأقرانه في “الحزب الشيوعي الصيني”، حالة من الخوف المنتظم والانهيار المماثل؛ إذ تتشابك هاتان المسألتان – وهما زيادة نقاط القوة في الصين ومراجعة نقاط ضعف الحزب الشيوعي- وتحتل مكانة مهمة في تفكير شي وتسيطر على جدول أعماله.

يؤمن “شي” بالسلطة المطلقة للحزب الشيوعي؛ فكما قال خلال المؤتمر التاسع عشر للجنة الحزب الشيوعي الصيني في أكتوبر 2017 “الحزب يسيطر على الجميع”. وبخلاف “دينغ شياو بينغ”، الذي أطلق إصلاحات الصين قبل أربعة عقود وسعى إلى تقليص سلطة الحزب نسبيًا، يريد “شي” إعادة الحزب إلى الدولة مرة أخرى.

ويعود الحزب في عهد “شي” إلى الحقبة الماوية من خلال بناء صورة ذهنية واسعة النطاق حول شخصية “شي”. ومرة أخرى، يبرز الإرث الخطابي الماوي، مثل الرئيس “زوتشي” zhuxi، والزعيم “لينج سو” lingxiu، حيث يسترجع “شي” مفردات خطابهم مرة أخرى. فالخلفية الأيديولوجية لـ”شي جين بينغ” تدور حول الاشتراكية مع الخصائص الصينية للعصر الجديد، حيث تمَّ تكريسها حاليًا من خلال دستور الحزب. ويرأس “شي” كافة التجمعات القيادية المركزية والهيئات الحزبية والعسكرية، ما أدى إلى إضعاف سلطة رئيس الوزراء “لي كه تشيانغ”.

إلى جانب ذلك، يتراجع “شي” بشكل منهجي عن العديد من العناصر الأساسية لإصلاحات “دنغ” التي حركت قادة الصين على مدى العقود الأربعة الماضية، فلا وجود لتقديم شخصية الزعيم، وكذا يتم الاعتماد على القيادة الجماعية وصنع القرار بالتوافق من خلال “الديمقراطية الداخلية للحزب” من أسفل إلى أعلى بدلاً من العمل على مستوى القمة، واتباع منطق الإملاءات النشطة، واستخدام آليات التغذية الراجعة من المجتمع إلى الدولة، والتسامح النسبي مع الحريات الفكرية، والمعارضة المحدودة، ووضع بعض الضوابط والتوازنات التي يفرضها الأمر الواقع على سلطة الحزب غير المقيدة، وتحديد الفترات الرئاسية، وقواعد التقاعد القسري للقادة والكوادر، وانفتاح المجتمع والاقتصاد على العالم، بالإضافة إلى اتخاذ سياسة خارجية حذرة. وقد كانت هذه المعايير وغيرها من العناصر الأساسية في البرنامج الإصلاحي لـ”دينغ” بعد عام 1978، وقد تمَّ قبولها واستمرارها في عهد “جيانغ زيمين” و”هوجنتاو”، لكن تمَّ تفكيكها جميعًا بشكل تدريجي من قبل “شي جين بينغ”.

لكن السائد – حاليًا – أن السياسة الصينية أصبحت بمثابة غرفة للصدى البسيط، حيث يحاول “شي” السيطرة على إدارة الحزب مع توجيه الأوامر ومتابعتها، وليس باعتباره منظمة لديها آليات وإجراءات للتعليقات للحد من الممارسات الديكتاتورية. ذلك أن “شي” يعدُّ إلى حد بعيد الزعيم اللينيني خلال منتصف القرن العشرين، حيث يحكم بلدًا ضخمًا في عصر العولمة بأوائل القرن الحادي والعشرين، وذلك بالتزامن مع تناقضات جلية بين طريقة “شي” في الحكم وواقع العالم الحديث واحتياجات الصين التنموية.

فمنذ وصوله إلى السلطة عام 2012، سعى “شي” إلى إغلاق أبواب الصين نسبيًا بدلاً من فتحها. فقد كان هناك تشديد كبير في الاستثمار الأجنبي والبيئة التشغيلية للشركات، وقمع شامل للمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية الأجنبية، وتكثيف دراسة الماركسية وتأكيد الضوابط الأيديولوجية على المجال التعليمي برمَّته، بالإضافة إلى حملات ممنهجة ضد القنوات الأجنبية.

في غضون ذلك، يستمر الحزب في فرض ضوابط صارمة على وسائل الإعلام، وإجراء مراقبة أمنية عامة منتشرة، وتشديد السيطرة على إقليمي “شينجيانغ” و”التبت”. لقد قام “شي” – أيضًا – بقمع الفساد في الحزب (والحكومة والجيش)، وترأس أكبر عمليات التطهير الوحشية والقمع السياسي في الصين منذ فترة 1989-1992.

يشترك “شي” في هذه الأعمال مع الماوية أكثر من “دينغ”. ومن المؤكد أن “شي” قد نجح – بالتأكيد – في تعزيز سطوة الحزب بشكل مؤسسي خلال السنوات الخمس الماضية، ولكن من الإنصاف التساؤل: هل أدى ذلك إلى إضعافه فعليًا على المدى الطويل؟ وإلى متى يمكن أن تستمر مثل هذه الأعمال الرجعية والقمعية في مجتمع يزداد عولمة وثراء وتطورًا؟

ويتفاوت التأثير الاقتصادي لـ”شي”؛ فلا يزال نمو الناتج المحلي الإجمالي جيدًا، إذ تبلغ نسبته 6.9%. وأطلق “شي” برامج للقضاء على الفقر بحلول عام 2020، وتبني مبادرات لتحفيز الابتكار وتصنيع التكنولوجيا العالية في إطار برنامج “صنع في الصين” Made in China 2025، وزيادة مساحة التحضر وبناء المدن البيئية، وتوسيع نطاق التغطية للخدمات الاجتماعية، ومواجهة التلوث، والانتقال إلى الاقتصاد الأخضر، وانخفاض التصحر وزيادة التحريج، والحد من الديون الصينية المتضخمة، والعمل على توسيع الاستهلاك المحلي والخدمات كدوافع للنمو. وقد مثَّل هذا كله أهدافًا ومبادرات جديرة بالثناء، إلا أن الوقت فقط هو الذي سيؤكد تحققها أو عدمه.

ومن ناحية أخرى، فشلت إدارة “شي” بشكل كبير في تلبية المعايير أو تنفيذ سياسات خطة الإصلاح الاقتصادي الثالث في نوفمبر 2013. وتكمن خطورة ذلك في أن الاقتصاد الصيني لا يقوم بالتعديلات الهيكلية اللازمة للتنقل عبر رؤية متوسطة الدخل وسلسلة القيمة المضافة، لتصبح اقتصادًا متقدمًا بمرور الوقت. فلا تزال الأخطاء الهيكلية والسيطرة المفرطة تصيب الكفاءة الاقتصادية، وقد انهارت سوق الأوراق المالية، في حين أن مستويات الديون المرتفعة تلوح في الأفق بشكل خطير.

هنا نقول إنه إذا كان ثمة مجال سياسي واحد حيث يستحق عليه “شي” علامات أفضل، يكون على مستوى العلاقات الخارجية. إذ ينظر – حاليًا – إلى الصين باعتبارها قوة عالمية. وقد اهتمَّ “شي” شخصيًا بالحوكمة العالمية. ونتيجة لذلك، تسهم الصين في عهد “شي” بأكثر من ذلك بكثير، في ميزانيات الأمم المتحدة، وحفظ السلام العالمي، والمساعدة الإنمائية الخارجية، وأهداف التنمية المستدامة. كما أنها أكثر نشاطًا في عدد من المجالات، مثل: الصحة العامة، وعمليات الإغاثة في حالات الكوارث، والطاقة، وأمن الممرات البحرية، ومكافحة الإرهاب، وعمليات مكافحة القرصنة.

وتعد مبادرة “الحزام والطريق” جديرة بالاهتمام أيضًا؛ فمبادرة تطوير البنية التحتية التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ، ستقوم شركة “بي آر آي” BRIببناء خطوط السكك الحديدية وخطوط الأنابيب وشبكات الاتصالات وشبكات الكهرباء وموانئ المياه العميقة والطرق السريعة والمدن وغيرها من البنى التحتية اللازمة من آسيا إلى أوروبا، وهو ما يوضح نشاط الصين الجديد في السياسة الخارجية في عهد “شي”. ومن المؤكد أن علاقات الصين الدولية ليست مزدهرة، لكنها إيجابية بشكل عام؛ وهي مع الولايات المتحدة، وربَّما أستراليا واليابان والهند فقط، على قدر من التوتر.

نفس القول ينطبق على الجيش والدفاع في الصين، حيث كانت الأولوية الثانية لدى “شي” بعد تقوية الحزب خلال السنوات الخمس الماضية. فنظرًا لعمله قائدًا عامًا للقوات المسلحة، أطلق “شي” عملية إعادة تنظيم أكثر شمولاً للقوات العسكرية وشبه العسكرية الصينية في يناير 2016؛ ذلك أن إعادة الهيكلة ما هي إلا جزء من الجهود المنهجية لبناء جيش عالمي المستوى، فدائمًا ما يردد “شي” عبارة “التحضير للقتال وكسب الحروب”.

لقد حققت ولاية “شي” على غرار كافة القادة نتائج متفاوتة، لكن هذه الفترة من الحكم تتناقض مع التصورات الإيجابية بشكل كبير التي يتم الإعلان عنها في وسائل الإعلام الرسمية في الصين. إذ يتم تقديم صورة من لا يخطئ، وهذا في حد ذاته يتنافي مع المنطق، فلا يوجد قائد معصوم من الخطأ. إلى جانب ذلك، فإن توجهات “شي” نحو التشويش على أساليب القيادة “الإمبريالية” في الصين حاليًا، ربَّما تنذر بصعوبات قادمة مستقبلاً.

فبعد أن تمَّ تصدير صورة لـ”شي جين بينغ” الذي لا يخطئ، سيواجه النظام بصعوبة، إن لم يكن من المستحيل، تفكيك هذه الصورة لـ”القائد العظيم” الصيني الجديد. كما أن هناك العديد من الدوائر الانتخابية في الصين التي تعاني من سياسات “شي”، بما في ذلك كوادر الحزب والدولة وضباط الجيش الذين فقدوا مناصبهم وامتيازاتهم نتيجة لتطهيرات “شي” في إطار عمليات مكافحة الفساد، وبالطبع كلهم ينتظرون ليشاهدوا ذلك الأمر.

 

المصدر: المرصد العالمي

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر