أوروبا في مواجهة التهديدات الأمنية الروسية

التاريخ والوقت : الأحد, 5 أغسطس 2018

توماس إي ناجي

 

ينبغي أن يشكل بناء التماسك أولوية داخل المجتمعات الغربية.

“إن فهم الخوف ليس مهمة صعبة، ألم يعد كلٌّ منا خائفًا كالأطفال؟ لكن لم يتغير شيء خلال الفترة الأخيرة، فما يخيفنا اليوم هو الشيء ذاته الذي أخافنا بالأمس”. كانت تلك كلمات ألفريد هيتشكوك، أيقونة التصوير السينمائي في القرن العشرين.

وتنطبق كلمات “هيتشكوك” بدرجة كبيرة في مجال الأمن العالمي، حيث إن هناك ما يكفي من التهديدات القديمة التي لا تثير القلق، ولا تتغير في كثير من الأحيان. فأسلحة الدمار الشامل لا تزال أسلحة دمار شامل، وأن سباق التسلح لم يخفت بعد، وأن التكنولوجيا لا تزال تشكل تهديدًا أمنيًا خطيرًا. ومع ذلك، ربَّما يتعين على الأوروبيين تغيير تفكيرهم قليلاً حينما يطرأ تهديد أمني جديد. إلا أن الأمر الأكثر مدعاة للقلق يأتي من روسيا عبر ما يمكن تسميته بــ”ثالوث غير مقدس” من التهديدات المختلطة عبر الفضاء الالكتروني “السيبرانية”.

على المستوى الاستراتيجي، فإن ما تسعى إليه روسيا بالأساس هو القضاء على القيم الديمقراطية الغربية السائدة منذ سقوط جدار برلين. وكوسيلة لتحقيق طموحها ذلك، فإنها تستخدم الكيانات الروسية من خلال “الثالوث غير المقدس” كوسائل مساعدة رئيسة. ولهذا الغرض، وكما تقر مبادرة التكيف مع حلف شمال الأطلسي، أنشأت موسكو سلسلة من المجالات الاستراتيجية المختلطة، والفضاء الإلكتروني، وهو ما يحتمل أن يكون مبالغًا في قسوته بغرض التأثير في دفاعات حلف الناتو وإضعافه، بل وتعطيله، وكذلك التأثير في الشراكات الغربية.

التهديدات المختلطة

أمَّا على الجبهة السيبرانية، فإن الممارسات التي تمَّ الكشف عنها أخيرًا، مثل: مجموعة “كوزي بير” Cozy Bear، وهي مجموعة روسية، يعتقد أنها وراء عمليات القرصنة التي استهدفت الانتخابات الأميركية في 2016، تشير إلى أنه من المتعين على حلف الناتو أن يحول النتائج إلى فرص ومكاسب في إطار علاقته مع روسيا، وهو ما يحتاج إلى إجراء معاينة قبل التصدي بسبب انعدام الأمن المتزايد على طول حدوده. وبعبارة أخرى، فمن دون تعزيز الموقف الديمقراطي، يصعب تصور نجاح مساعي تحقيق الاستقرار في أوكرانيا، والحرب على الإرهاب، والتقدم في مراقبة الأسلحة أو الدفاع عن المصالح المتصلة بالطاقة.

وهنا يجب أن يصبح بناء التماسك داخل المجتمعات الغربية بمثابة أولوية جديدة، كما تُظهر مؤشرات “كوزي بير” مدى أهمية التعاون عبر الأطلسي في الحد من الضرر. فقد كان رد فعل الحلف تجاه هذا التحدي واضحًا ومباشرًا من خلال دعمه للتطوير التدريجي لقدرات الجريمة السيبرانية (أو الدفاع النشط) كطريقة أخرى من الردع.

أمَّا على الجبهة المتعلقة بالتهديدات المختلطة، فلا تزال المجتمعات الغربية تخضع لاختبار مستمر من خلال المعلومات المضللة والدعاية الروسية. فقد كانت هذه الحملات موجهة بشكل واضح نحو استغلال القلق العام بشأن مستويات المعيشة الراكدة (الطبقة المتوسطة)، حيث تزيد التحديات الأمنية داخل المجتمعات متعددة الثقافات، مع تراجع قيمة المساءلة الديمقراطية للمؤسسات السياسية الغربية. فحالة التسمم التي تعرض لها “سيرجي سكريبال”، أخيرًا، العميل الروسي السابق، على الأراضي البريطانية، أظهرت بوضوح مدى استعداد روسيا لاختبار مستوى التضامن مع الحلفاء في حالة وقوع هجوم غير متوقع.

وعلى مستوى “الحروب المختلطة” التي تتداخل فيها الوسائل السياسية والعسكرية، يسعى كل المتنافسين العسكريين (بما في ذلك روسيا) إلى استغلال الفرص المتزايدة بشكل مطرد للتطوير التكنولوجي بهدف خفض أولوية حلف الناتو العسكرية؛ حيث توضح آخر التصريحات الروسية بشأن تطوير الأسلحة، مدى استعداد موسكو للحفاظ على موقفها في التنافس الاستراتيجي مع التحالف.

وكما جادلت مبادرة “جلوبسيك”  GLOBSEC سابقًا فيما يخص التكيف مع حلف شمال الأطلسي، فإن الحلف وخصومه يعتبرون أنفسهم في حالة حرب مع التحالف وقيمه. وهو ما لا يعد جديدًا، لكن الشيء المختلف هو أن طبيعة الحرب مرت بتطورات عميقة. فقبل 30 عامًا، كان “الناتو” يواجه خصمًا واحدًا، وفي ذلك الوقت تمَّ تحديد طريق التحالف إلى النصر بوضوح من خلال التفوق العسكري والاستدامة الاقتصادية، وهو ما فشل الاتحاد السوفيتي في تحقيقه.

ولم يعد من المهم أن مجتمعاتنا ورجال الاقتصاد والأفراد لدينا في في طليعة التقدم التكنولوجي، حيث يلجأ كافة الخصوم والمتنافسين (بما في ذلك روسيا) اليوم إلى ذلك، وهو ما يتضح بشدة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وباختصار، فإن تلك الأدوات تسهل مهمة خصوم حلف الناتو.

ومن المتعين إذن، التعامل مع العملية الديمقراطية (وليس الانتخابات فقط) كجزء من البنية التحتية الحيوية بالنسبة للأوروبيين. إذ تبدو هناك حاجة لتطوير القدرات من أجل التخفيف من التهديدات السيبرانية. كما أنه يجب أن يكون هناك دافع لممارسة المزيد من الجهود الدبلوماسية العامة والقوية، فضلاً عن المزيد من الشفافية المؤسسية والمزيد من المساءلة السياسية الواضحة.

بالتالي، تحظى أوروبا وحلفاؤها الغربيون باهتمام راسخ في تحسين العلاقات مع روسيا. ذلك أن التحديات والتهديدات الأمنية المتبادلة حاليًا (كانتشار أسلحة الدمار الشامل والإرهاب والهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة…إلخ)، لا يمكن التعامل معها بكفاءة، إلا من خلال اعتماد طريقة عملية ومتوازنة وبناءة، وهو ما يفرض الحاجة إلى التماثل.

ولا يقتصر التماثل هنا على مستوى القدرات العسكرية، لكن في تماسك المجتمعات الأوروبية، فموسكو تحتاج إلى رؤية لمواجهة الغرب المتحد سياسيًا. حيث يغيب التماسك في الوقت الحالي، الذي يفرض القيام بما يتوافق مع الأطر الجيوسياسية، واستغلال الفرص والمصالح؛ فأوروبا وحلف الناتو لن تبدأا في إعادة توازن علاقاتهما مع روسيا، إلا بعد أن تحددا وتعالجا عدم التماثل النقدي في تماسكهما الداخلي.

وأخيرًا، يعتقد “هيتشكوك” أن الطريقة المثلى للتخلص من المخاوف هي مواجهتها؛ فقد تتحقق خطوة كبيرة نحو التماثل المطلوب مع قمة الناتو في بروكسل خلال شهر يوليو الماضي، ورغم أنه من المتوقع أن يتحرك التحالف بثبات مع الأهداف العسكرية المحددة عام 2014، فقد تظل التحديات السياسية دون معالجة.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات*

المصدر: موقع فير أوبزيرفر

 

 

 

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر