أفول حركة الشباب الصومالية.. جهود خليجية تؤتي ثمارها

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 11 ديسمبر 2018

بدأت حركة الشباب الصومالية تلملم آخر أوراق قوتها الضاربة في البلد المهم بالقرن الإفريقي، بفضل عوامل عديدة من بينها جهود حكومية في المحيط الإقليمي، لا سيَّما دول الخليج، بالإضافة إلى ولادة تنظيم “داعش” الذي استقطب بدوره المنشقين عن الحركة.

بيْدَ أنَّ الأفول الذي بدت عليه الحركة مُرشّح لمزيد من التلاشي على وقع الضربات الأميركية التي تشنها ضد معاقل الحركة، فضلاً عن انقطاع أية إمدادات لوجستية للحركة، يضاف إليها تقليم أظافر الحركات الأخرى القريبة من فكرها، خاصة في منطقة القرن الإفريقي.

 

مخاطر وأهداف

وضعت دول الخليج خطورةحركة شباب المجاهدين الصومالية في بؤرة تفكيرها، فعملت على حصارها، خاصة عقب إعلان عدد من قادتها، عن تفكيرهم في نقل معركتهم إلى المحيط الإقليمي، وفي القلب، دول الخليج.(1)

لكن لمعرفة الدور الخليجي في تقليم أظافر حركة شباب المجاهدين الصومالية، يجب إلقاء الضوء، عبر تسلسل معرفي، على الشوكة التي مثلتها الحركة في خصر الأمن القومي العربي، خاصة الخليجي، لا سيَّما مع الإعلان عن خططها لتجنيد الشباب في كينيا وتنزانيا وإثيوبيا، ثمَّ انخراطهم في الحرب الصومالية، أو نقلهم إلى دول أخرى، من بينها دول الخليج العربي، وهو ما بدا واضحًا من اعترافات أمير الحركة في شمالي الصومال، الشيخ محمد أتوم، الذي استسلم لحكومة مقديشو في يونيو 2014، وقال إن مخططات الحركة تتعدى الصومال إلى محيطه الإقليمي وتهديد مسارات نقل النفط في المنطقة، ما يجعل من بين أهداف التحالف العسكري العربي مواجهة هذا الخطر القادم من الصومال.

ويمكن استنتاج الخطر الذي بدا واضحًا على الأمن القومي للخليج في الآتي:

1- أحد العوامل الرئيسية التي تهدد الأمن القومي الخليجي، هو غياب الدولة في الصومال، ما شكّل بدوره ثغرة أمنية تنقل القلق إلى المنطقة العربية.

2- توافق واضح في الرؤى والإجراءات والأهداف بين حركة الشباب وتنظيم القاعدة.(2)

3- إعلان تنظيم “القاعدة” عن تخطيطه لشن هجمات على دول الخليج يكون مركز تدبيرها الصومال واليمن.

4- تسريبات استخباراتية تشير إلى أن حركة الشباب تبادلت مع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب السلاح والذخائر والمقاتلين والأموال عبر خليج عدن.

5- استغل التنظيمان الهجرة إلى اليمن قبل الحرب، فنقل عناصره مع المهاجرين من البر الإفريقي إلى البر اليمني من خليج عدن.

 

جهود خليجية

ما سبق جعل دائرة الاهتمام الخليجي بحصار تنظيمي القاعدة وحركة الشباب ذات أولوية، بالنظر إلى أن الفترة الماضية أظهرت تناغمًا واضحًا بين الحركة وحليفها “القاعدة” في جزيرة العرب المتمركز في اليمن، وهو ما رفع مؤشر خطورة الحركة على منطقة الخليج، لكنّه في الوقت نفسه شجّع دول التحالف العربي على ضرب عصفورين بحجر واحد من خلال التحالف العسكري، فكانت إجراءات وتحركات خليجية ساعية إلى تقليم أظافر تلك التنظيمات انطلاقًا من القرن الإفريقي، خاصة مع تهديدات بالتأثير على حركة السفن في خليج عدن ومضيق باب المندب، مما يهدد حركة نقل النفط، وهو عصب اقتصادات الخليج.

جملة من الأسباب أدت إلى انحسار نفوذ التنظيم الراديكالي، تتمثل في المساعي الخليجية – خاصة السعودية – التي جرت خلال السنوات الماضية، والتي صنعت جدار صدّ منيعًا تجاه محاولات التنظيم التمدد، حين كان من بين أهدافه الوصول إلى العمق الخليجي ضمن طموحات تلك الجماعات المتطرفة، بإعلان ما يعتبرونها دولة إسلامية.

ومن أحد العوامل التي ساعدت على تقلُّص نفوذ التنظيم، مساعي التحالف العربي العسكري، حين أراد تحقيق نتائج إيجابية لـ”عاصفة الحزم” فاتجه إلى دول جنوب البحر الأحمر في القرن الإفريقي، لتطويق خطر الحوثيين، وفي السياق نفسه التنظيمات الأخرى المتشددة، فكسب التحالف إلى صفوفه دول السودان وإريتريا وجيبوتي.

استخدمت دول الخليج سلاح المساعدات المالية، ما عبّد بدوره الطريق لإقامة تحالفات عسكرية في القرن الإفريقي، انتهت إلى جملة من الخطوات الأمنية والعسكرية في المنطقة، ومن بينها:

1- أقامت السعودية في أكتوبر 2015 قاعدة بحرية عسكرية في جيبوتي.(3)

2- شكلت الرياض في العام نفسه لجنة عسكرية سعودية جيبوتية للتنسيق العسكري بين البلدين.(4)

3- أبرمت السعودية والإمارات اتفاقًا للشراكة الأمنية العسكرية مع إريتريا، ما مكّن التحالف من استخدام الأراضي الإريترية، وجعل ميناء “عصب” الإريتري مركزًا لعملياتها ضد جزر اليمن في البحر الأحمر.(5)

4- وقعت الإمارات، في نوفمبر 2014، اتفاقية للتعاون العسكري مع الصومال بهدف تعزيز التعاون العسكري بين البلدين.(6)

وأسفرت الخطوات السابقة عن نتائج إيجابية في اتجاه تحقيق الخليج أهدافه الأمنية لحصار التنظيمات الإرهابية في القرن الإفريقي، ومنها:

1- ضربت دول الخليج جماعة الحوثي في مقتل، كما ضربت فرع القاعدة المتمركز في اليمن، وأوقف طموحات جماعة الشباب الصومالية التي رغبت في التمدد باتجاه العمق الخليجي.

2- تخلت السودان عن حليفها الأوثق إيران، وهو ما ساعد على بناء قاعدة من الشراكة مع الخرطوم على الصعيد الأمني.(7)

3- بدأت دول الخليج التخطيط لإنشاء قوة خليجية بحرية مشتركة لتأمين منطقة خليج عدن وباب المندب من المخاطر المحتملة.(8)

4- أعلنت الصومال قطع علاقتها مع إيران عقب الاعتداء على السفارة السعودية في طهران.(9)

5- أعلنت الصومال انضمامها إلى التحالف الإسلامي الذي تشكل في ديسمبر 2015.(10)

6- من بين أهداف التحالف العسكري العربي محاربة الإرهاب – بشكل عام – وليس “داعش” فقط، وهو ما مهَّد لمحاربة التنظيمات المتشددة في الصومال.

الانشقاقات

أضف إلى ما سبق، فإن الانشقاقات التي ضربت تماسك الحركة، لا سيَّما مع استسلام أمير الحركة في شمالي الصومال، الشيخ محمد أتوم، بالإضافة إلى القيادي الميداني، أبو منصور روبو، لحكومة مقديشو، عززت من فرص انتحار التنظيم على المستوى الإداري والتنظيمي، لا سيَّما أنَّ “روبو” – على وجه التحديد – كان بمثابة العقل المدبر للحركة.(11)

بيْدَ أنَّ ما عزز من فرضية الانشقاقات، هو السياسة التي انتهجتها الحركة في التمسك بسياسة التفاوض مع الحكومة الصومالية، وهو ما أوجد تباينًا في وجهات النظر بين أقطاب الحركة، وزاد من إمكانية الخروج عن الهيكل الإداري إلى العمل الفردي في كثير من الأحيان.

ظهور “داعش”

واحد من العوامل الرئيسية التي كانت وراء انصهار نسبي لحركة الشباب، يستند إلى صعود تنظيم “داعش” في دول منطقة القرن الإفريقي (الصومال، وإثيوبيا، وكينيا، وجيبوتي، وإريتريا)، فيما برز صعود “داعش” في الصومال بعد اغتيال الزعيم الروحي لحركة الشباب، أحمد عبدي غوداني، في غارة جوية أميركية في سبتمبر 2014، فبدأ بعدها “داعش” يرص صفوفه من رحم الحركة التي شهدت ترهلات وانشقاقات، أضف إلى ذلك تراجع نفوذ حركة الشباب في أقاليم صومالية أمام القوات الحكومية والإفريقية، وهو ما رسم ملامح جديدة للحركة بُنيت على الخروج من طواعية إدارتها حتى وصل الأمر إلى القيادة الميدانية.(12)

وفي أعقاب اتساع رقعة الانشقاقات داخل الحركة، أعلن الشيخ عبدالقادر مؤمن، الذي كان أبرز المنشقين، مبايعته برفقة العشرات من المقاتلين، لزعيم تنظيم “داعش” أبو بكر البغدادي، وهو ما مثّل ضربة قوية لصف الحركة وشكّل عاملاً إضافيًا لتنظيم “داعش” الوليد، حين استثمر الخبرات المتراكمة لعناصر الحركة المنشقين فبنى قاعدة ميدانية صعّبت من مهمة القوات الحكومية لحصار التنظيم.(13)

 

ظروف محلية

ما لا يُمكن تجاهله – أيضًا – الظروف المحلية التي ساعدت الحركة على التشكل في مراحل النشأة والتكوين، وهي الظروف نفسها التي ساعدت في ولادة تنظيم “داعش”، غير أن السلطات المحلية والدول الإقليمية قرأت المشهد على نحو جيد وعملت خلال الفترة الماضية على حلحلة تلك الأوضاع، التي يمكن إجمالها في الآتي:

1- أحد الأسباب القوية التي ضخت الدماء في شرايين الحركة في مهدها، هو تردي الأوضاع الاقتصادية وانتشار الفساد، وهو العامل الذي عكفت السلطات المحلية في الصومال على حله، بمساعدة بعض الأطراف الدولية والإقليمية.(14)

2- العامل الثاني الذي لا يقل خطورة عن السابق، يتمثل في تعاظم نفوذ العشائر، بيْدَ أنِّ هذا العامل كان – ولا يزال – عصيًّا على الحل بشكل نهائي، نظرًا لما تتمتع به الصومال من تجذر لمفاهيم العشائر والقبائل التي ربَّما تستند في بعض الأحيان على هذه التنظيمات لتحقيق مكاسب حكومية.(15)

3- كما أنَّ انفصال بعض الأقاليم عن الحكومة المركزية، شجّع على مزيد من التفكك في بنية المجتمع الصومالي، لكنّ السلطات المحلية عملت خلال الفترة الماضية على بناء ثقة مع كافة الأقاليم وممثليهم.(16)

4- العامل الرابع الذي جرى معالجته، وكان سببًا في ولادة تلك التنظيمات، يتمثل في غياب الاهتمام الدولي بالصومال، بيْدَ أنَّ هذا البلد وجد تعاونًا غير مسبوق خلال الفترة الماضية، خاصة من المحيط العربي والإقليمي.(17)

النتائج

1- يبدو أنَّ حركة الشباب الصومالية تقترب من لفظ أنفاسها الأخيرة، في تحول مهم بالبلد المهم بالقرن الإفريقي.

2- وضعت دول الخليج خطورةحركة شباب المجاهدين الصومالية في بؤرة تفكيرها ما أدى إلى حصارها؛ إذ إن جملة من الأسباب التي أدت إلى انحسار نفوذ التنظيم الراديكالي، تتمثل في المساعي الخليجية – خاصة السعودية – التي جرت خلال السنوات الماضية.

3- استخدمت دول الخليج سلاح المساعدات المالية، ما عبَّد بدوره الطريق لإقامة تحالفات عسكرية في القرن الإفريقي.

4- الانشقاقات التي ضربت تماسك الحركة، بالإضافة إلى السياسة التي انتهجتها الحركة في التمسك بسياسة التفاوض مع الحكومة الصومالية، أوجدت تباينًا في وجهات النظر بين أقطاب الحركة.

5- أحد العوامل الرئيسية التي كانت وراء انصهار نسبي لحركة الشباب، يستند إلى صعود تنظيم “داعش” التي بنت هيكلها من الخارجين عن طوع الحركة.

6- السلطات المحلية والدول الإقليمية قرأت الظروف المحلية التي ساعدت الحركة على التشكل في مراحل النشأة والتكوين وعملت خلال الفترة الماضية على حلحلة تلك الأوضاع.

وحدة الدراسات السياسية*

المراجع

1- نائب رئيس وزراء الصومال: مسار العلاقات مع الإمارات أقوى من ذي قبل، إرم نيوز. https://bit.ly/2FZRKy7

2-“داعش” الصومالية.. تنظيم يواجه الفشل بالانتماء القبلي، الشرق الأوسط. https://bit.ly/2RxHyOR

3- جيبوتي: نرحب بقاعدة عسكرية سعودية على أراضينا، روسيا اليوم.  https://bit.ly/2UnA6YC

4- جيبوتي توافق على إقامة قاعدة عسكرية سعودية على أراضيها، العربية نت.  https://bit.ly/2L00EKX

5- السعودية والإمارات بالقرن الإفريقي.. شراكة تحطم مخططات قطر وإيران، العين. https://bit.ly/2G2qvDn

6- الإمارات توقع اتفاقية عسكرية مع الصومال، موقع الأمن والدفاع العربي.  https://bit.ly/2SuLWhs

7- إيران في إفريقيا.. القوّة الناعمة والأرض الرّخوة، موقع المجلة. https://bit.ly/2BROjWm

8– مضيق باب المندب: نقطة تماس استراتيجي للأمن الخليجي الإفريقي منتدى للأمن الإقليمي وتكامل الجهود لنزع فتيل الأزمات، آراء حول الخليج.https://bit.ly/2zMZ8Ya

9- الصومال تقطع علاقاتها مع إيران، الإمارات اليوم. https://bit.ly/2StQJzW

10- الصومال يعلن انضمامه إلى تحالف “عاصفة الحزم” بقيادة السعودية، الشرق الأوسط. https://bit.ly/2QA9Fji

11- الصومال تنتفض ضد “داعش” و”القاعدة”، البوابة نيوز. https://bit.ly/2ATS9wx

12- الجيش الأميركى يطلق غارة تقتل 9 من حركة الشباب بالصومال، اليوم السابع. https://bit.ly/2rlpXON

13- داعش فرع الصومال.. كابوس خرج من رحم حركة الشباب، إرم نيوز. https://bit.ly/2riDFBY

14-ظاهرة الفساد في المجتمع الصومالي، مركز مقديشو للدراسات والأبحاث. https://bit.ly/2roH9CI

15- الأمن العربي لا ينقصه تمركز جديد لداعش في الصومال، موقع العرب. https://bit.ly/2GpXCwr

16- أرض الصومال.. حلم الانفصال: الواقع والتحديات، الصومال الجديد. https://bit.ly/2q7EVHq

17- الصومال تنضم إلى التقارب الإريتري الإثيوبي لترسيخ السلام في القرن الإفريقي، موقع العرب. https://bit.ly/2AUWnnC

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر