أزمة الليرة وسوء إدارة أردوغان

التاريخ والوقت : الأربعاء, 5 سبتمبر 2018

 

تحليل/ جيم إدوارد

شهد الاقتصاد التركي تحولاً ملحوظًا، إذ إن الأزمة تبدو في ظاهرها كأزمة عملة، فقد انهارت الليرة التركية وخسرت أكثر من 7% من قيمتها مقابل الدولار؛ وهو ما  يعني انخفاضًا أكثر من 35% خلال العام الأخير. وربَّما تتجاوز الأزمة الحدود التركية، ولا سيَّما فيما يتصل بالبنوك الإيطالية المتعثرة – بالفعل – نتيجة ما لحق بالليرة.

يكمن الدافع الأساس لهذا التراجع في تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بفرض عقوبات على اثنين من الوزراء الأتراك البارزين، وذلك احتجاجًا على احتجاز تركيا للقس الأميركي “أندرو برونسون” بتهمة ارتباطه بحركة “الخدمة” التي يقودها فتح الله غولن، والتي تعارض الحكومة الحالية في تركيا.

وقد تضمنت العقوبات التي فرضتها الإدارة الأميركية، قبيل انخفاض الليرة، تجميد الأصول الخاصة بعدد من المسؤولين الأتراك، وقد قال ترمب، في وقت لاحق، إن عقوباته ستمتد إلى فرض رسوم تصل إلى 20% على الصلب، ورغم خطورتها فإنه لم يكن من الممكن أن تكن مناسبة بما يكفي.

كان نمو الناتج المحلي الإجمالي في تركيا وصل إلى 7.4٪ في الربع الأول من عام 2018، و7٪ في عام 2017، وذلك مقارنة بنظيره الأميركي الذي وصل إلى 2.3٪ والبريطاني 1.8٪.

وترتبط الأزمة الحالية بأسلوب إدارة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، للأزمة الذي بدا سيئًا بشكل أساس فيما يتعلق بدور البنك المركزي في تحديد أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، وهو ما يعد خطأ أدى إلى إشعال أزمة الليرة الراهنة.

ومن الناحية النظرية، فإن ارتفاع التضخم يفرض على البنك المركزي، زيادة أسعار الفائدة لدفع الأسعار للانخفاض مرة أخرى.

وقد بلغ معدل التضخم في تركيا 16%، وهو ما يعتبر مرتفعًا بشكل مثير للدهشة ببلد أوروبي حديث، حيث تهدف معظم بلدان السوق الحر في الغرب إلى إبقاء التضخم عند نسبة لا تتجاوز 2% في السنة.

ومع انفلات التضخم كان من المتوقع أن يلجأ البنك المركزي التركي إلى رفع أسعار الفائدة، لكنه احتفظ بها عند مستوى 17.75% في يوليو الماضي، وهو ما بدا في شكل مرتفع ومؤلم بالنسبة للأتراك الذين يعانون من تسارع معدلات رفع الأسعار للسلع الاستهلاكية. وقد كانت هذه الخطوة متناقضة مع ما كان يريده السوق تمامًا، حيث لم يكن البنك المركزي التركي جادًا في السيطرة على التضخم ولا حتى على سعر الليرة.

ويرجع ذلك إلى افتقار البنك المركزي للجدية الكافية، حيث لا يفهم أردوغان، بشكل أساس، آليات عمل أسعار الفائدة؛ فقد قال أردوغان، في مايو الماضي خلال كلمة ألقاها على رجال الأعمال بأنقرة، في إشارة للانتخابات المبكرة “إذا رأى الشعب أن علينا الاستمرار في هذا الطريق، أقول لكم إنني سأخرج منتصرًا من هذه المعركة ضد أسعار الفائدة، لأنني أُومن بأن أسعار الفائدة هي مصدر كل الشرور”.

وفي شهر يوليو، عيَّن أردوغان صهره “بيرات البيرق” وزيرًا للمالية، حيث قال “البيرق” للتلفزيون التركي “سنشهد انخفاضًا في التضخم وفي أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة”، ثم منح أردوغان لنفسه السلطة المطلقة لتسمية محافظ البنك المركزي، لكنه لم يفعل أي شيء بأسعار الفائدة خلال تلك الفترة. وكما أشارت صحيفة “فاينانشيال تايمز”، يرى الكثيرون أن ذلك يعدُّ دليلاً على أن أردوغان أحكم قبضته على السياسة النقدية بالبلاد.

يرتبط الأمر، إلى درجة ما، بمزاعم أردوغان حول نيته في السير ببلاده بعيدًا عن فلسفة الاقتصاد الغربي (فلسفة الفائدة) القائمة على ما يعتبره أردوغان ربًا، وبالتالي يقول أردوغان إنها محرمة ومحظورة. ومن ثَمَّ، فعندما يصف أردوغان أسعار الفائدة بأنها “شريرة”، فإنه يتحدث بالمعنى الحرفي لكلمة “شريرة” وليس بالمعنى المجازي.

لكن جوهر المشكلة يكمن في أن الاقتصاد التركي حقق نموًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يبدو أمرًا جيدًا، بل إنه كان من بين الأسباب التي دعمت فوز أردوغان في إعادة انتخابه هذا الصيف، لكن النمو المتسارع للاقتصاد يميل إلى دفع الأسعار للارتفاع، حيث يفوق الطلب العرض. ويمكن للتضخم المرتفع أن يقتل الاقتصاد عن طريق جعل العملة عديمة القيمة، فلا أحد يريد استخدامها إذا كانت قيمتها غدًا ستصبح جزءًا من قيمتها اليوم. فالعملات تميل لأن تحتفظ بقيمتها عند استقرار الأسعار؛ ذلك أن الطريقة الوحيدة للحفاظ على قيمة الليرة، هي أن يقوم البنك المركزي التركي ببيع السندات الحكومية وزيادة سعر الفائدة الذي يقدمه لأي شخص يريد الاحتفاظ بها، وبذلك سيحتفظ البنك بالمزيد من الليرات، وبالتالي جمع العملة من السوق شأنها في ذلك شأن أي سلعة؛ إذ يؤدي انخفاض المعروض من الليرة إلى زيادة قيمتها واستقرارها.

ولسوء الحظ، فإن أردوغان وصهره، يفعلان عكس ذلك، إذ يتركان سعر الفائدة دون فائدة، وهو ما يعني أن سعر صرف الليرة لن يستقر قريبًا. وفي يوليو، حينما فشل البنك في التصرف، قال البيرق “سنشهد انخفاضًا للتضخم وأسعار الفائدة في الفترة المقبلة”. وهو ما يعني أن أردوغان وصهره، إما أنهما لا يفهمان بما يكفي لما يجب عليهما القيام به للتحكم في الأزمة، أو أنهما ينظران إلى تحديد سعر الفائدة على أنه شر كما أسلفنا. وفي كلتا الحالتين، فإنه أمر سيئ.

لقد كانت هناك واقعتان تاريخيتان مثيلتان لنفس تلك الأزمة التي تحاول الحكومة التركية خلالها أن تحقق معجزة وفقًا لطموحات أردوغان والبيرق اليوم. تتمثل الأولى فيما حدث في جمهورية فايمار 1919-1933، عندما طبعت الحكومة الألمانية الأموال لتسديد ديونها، وهو ما ترتب عليه عواقب وخيمة. أمَّا الواقعة الأخرى، فكانت في فترة السبعينيات بالولايات المتحدة عندما أبقى رئيسا مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي “أرثر بيرنز” و”وليام ميلر”، أسعار الفائدة منخفضة؛ لأنهما في الأساس كانا رجلي أعمال يميلان للإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة. وكان الاقتصاد الأميركي قد مرَّ على إثر ذلك بفترة تضخم مصحوب بالركود مدة 10 سنوات.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: موقع بيزنيس إنسايدر

 

 

 

 

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر