أزمة الديون التركية خلال سنوات التشكّل

التاريخ والوقت : السبت, 1 سبتمبر 2018

باول كوشران

 

بينما يوجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اللوم إلى التدخل الأجنبي بشأن الأزمة التي يمر بها الاقتصاد التركي، إذ يرى المحللون أن جذور تلك الأزمة تعود إلى سنوات مضت، مدفوعةً بتصرفات أردوغان الأخيرة؛ فبعد عقود من الركود الاقتصادي، قاد حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي يتزعمه أردوغان، الاقتصاد التركي خلال العقد الأول من القرن الحالي.

وقد بدا الازدهار واضحًا من خلال عمليات الاقتراض السهل الذي وفّر القروض لقطاع الإنشاءات الأولية بالمناطق ذات الكثافة الرأسمالية كالتصنيع وتطوير تكنولوجيا المعلومات، إلا أن الانخفاض في الليرة التركية خلال الفترة الأخيرة، أظهر عدم قدرة هذا النموذج على الاستمرار كما يقول المحللون.

يذهب “آمري ديلفيلي” الخبير الاقتصادي بمؤسسة “عين الشرق الأوسط” Middle East Eye ، إلى أن الاقتصاد التركي كان يعتمد على الاقتراض من الخارج قبل الأزمة المالية العالمية خلال عام 2008، لكنه بعد ذلك اعتمد على القروض القائمة على العملات الأجنبية من خلال النظام المصرفي التركي، هذه الأموال عززت الاقتصاد التركي، لكن الواقع أثبت أنها غير مستدامة في نهاية المطاف.

فبحلول 2018 كانت تركيا تحتل المرتبة الثانية بين أعلى الاقتصادات الناشئة عالميًا من حيث النمو بعد الصين، وذلك وفقًا لمؤسسة “كابيتال إيكونوميكس” Capital Economicsإحدى المؤسسات الاستشارية في مجال البحوث والدراسات الاقتصادية ومقرها لندن.

والمفارقة هنا، أن التجربة التركية تبدو كقصة نجاح، حيث حققت واحدًا من أعلى معدلات النمو الاقتصادي في العالم، حتى في المرحلة التي قام فيها أردوغان بقمع وسائل الإعلام، حيث قامت إدارته باعتقال أكثر من 60 ألف شخص في أعقاب الانقلاب الفاشل عام 2016.

تقول “ياسمين إنجين” الخبير الاقتصادي المساعد بكابيتال إيكونوميكس “لقد كنا متشككين جدًا بشأن معدلات النمو هذه، التي كانت ترتبط بدرجة كبيرة بطفرة الائتمان، والاقتراض من الصناديق الخاصة وقطاع البناء، إنها حقًا قصة ثرية، لكن مع الانخفاض الحاد في الليرة خلال الأيام الأخيرة ظهرت كافة المشكلات الأخيرة”.

وفي الواقع، بدأ ظهور التصدعات عام 2015، حيث اتجهت قيمة الليرة نحو الانخفاض مقابل الدولار الأميركي عام 2017. وبحلول ديسمبر من نفس العام، كانت أنقرة أدركت أن حركة اقتراض الشركات التركية أصبح خارج نطاق السيطرة؛ إذ بلغ 2011 مليار دولار، فأوقفت 23 ألف شركة عن الحصول على المزيد من القروض بالعملات الأجنبية. علاوة على ذلك، يقول المحللون إن احتمال تزايد الأزمة ربَّما يدفع أردوغان إلى إجراء انتخابات مبكرة.

تقول “إنجين”، إن الإدارة التركية كانت تعلم بوضع ذلك التباطؤ على الورقة، وهو ما يعود إلى اتجاهها للتعجيل في الانتخابات في يونيو من هذا العام، بدلاً من 2019 قبل أن تظهر المشكلة الاقتصادية”.

وعلى حين انخفضت قيمة العملة التركية بالعديد من الأسواق الناشئة حول العالم خلال الأشهر القليلة الماضية، من جنوب إفريقيا إلى الهند، لم تنخفض أي منها بدرجة كبيرة مثل الليرة من 2.4 في مواجهة الدولار الأميركي إلى 7 ليرات خلال الفترة الأخيرة. لكن السؤال: لماذا الآن؟

يُرجِع المحللون الأمر إلى الأوضاع السابقة، حيث يقولون إن الأمر تفاقم بسبب التحركات التي قام بها أردوغان خلال مقابلة له مع مؤسسة “بلومبيرغ” في شهر يناير من العام الجاري.

ويزعم أردوغان أنه سيقوم بخفض أسعار الفائدة حتى ينخفض التضخم. رغم ذلك، فإن النظرية الاقتصادية تقول إن ثمة حاجة إلى رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم؛ لذلك، فالمسألة كبيرة جدًا.

على حين أن سوء فهم أردوغان لأوضاع الاقتصاد السياسي ومساعيه لتقويض استقلالية البنك المركزي، قد خلقت مخاوف. غير أن الصدمة الثانية تمثلت في تعيين صهره البالغ من العمر 40 عامًا، “بيرات البيرق”، وزيرًا للمالية في أعقاب الانتخابات.

إذ يقول “ديلفيلي” إن “الجميع كانوا يتوقعون بقاء وزير المالية، وليس تعيين أردوغان لصهره الذي لا تتوفر لديه الخبرة الاقتصادية الكافية في أعلى منصب اقتصادي بالبلاد، الأمر الذي يزعج المستثمرين، لكن الاقتصاد كان يمكن أن ينفجر بشكل أو بآخر، حتى لو لم تحدث هذه الأشياء منذ مايو حتى اليوم، رغم أنه سينطوي على حالة بسيطة من الركود”.

فالاعتقالات الأخيرة أثارت الكثير من المخاوف والقلق، وإن بدا الأمر في لحظة أنه على ما يُرام، لكن كثافة الاعتقالات الحالية تؤثر بشدة على الاقتصاد مع اتساع الشروخ التي يعاني منها.

مع ذلك، فإن أردوغان يبدو حريصًا على إلقاء اللوم في تدهور عملة بلاده على من يسميهم “الإرهابيين الاقتصاديين”، وهو ما يعد حركة تقليدية في عالم جذب الجماهير، وللأسف يقع البسطاء في فخها.

 

التعويل على البنوك

يقول “أتيلا يسيلادا” المحلل الاقتصادي من إسطنبول، إن انخفاض قيمة الليرة التي هبطت حاليًا بنسبة 40% مقابل الدولار الأميركي خلال الشهور الأخيرة، دفع الأتراك إلى الاصطفاف خارج البنوك بضواحي إسطنبول لسحب أموالهم خلال الأيام الأخيرة؛ فالقلق هنا أن تلجأ أنقرة إلى وضع ضوابط على رأس المال، مثل الحد من عمليات السحب من البنوك وتحويل الأموال إلى خارج البلاد. على حين لا يعتقد المحللون أن هذا الأمر وارد ولا محتمل، فقد أعلن البنك المركزي التركي أنه لن يتجه لذلك، لكن الشائعات أثارت المخاوف بين الأسواق العامة والدولية، حيث تحوم الشائعات حول قيام الحكومة التركية بتجميع الحسابات ووضع ضوابط لرأس المال، وهو ما ينعكس على الثقة بعيدًا عن كون ذلك صحيحًا أم خطأ.

إن ما بدا كأزمة عُملة تحوَّلَ مع الوقت إلى أزمة لقطاع العقارات، وهو ما ينطوي في جزء منه على الديون، والجزء الآخر يعكس رشاد الحكم والتعامل مع الأزمة. فكما تعتقد مؤسسة “كابيتال إيكونوميكس”، فلا يوجد خطر جاد على القطاع المصرفي التركي، ذلك أنه يتمتع برأسمال جيد، وهو ما يعني تأثيرًا دوليًا محدودًا، حتى على البنوك الأوروبية المقرضة للديون التركية، لكن هناك مخاطر محتملة بسبب ارتفاع تكلفة الاقتراض.

فقد ارتفعت نسبة تعرض البنوك التركية لمخاطر الديون بنسبة 50% من حيث القيمة منذ بداية 2018، وهو ما يعزز احتمالات حدوث تصدعات في القطاع المصرفي مما يؤثر على بقية الاقتصاد التركي، الأمر الذي يعيق الشركات التركية من الحصول على القروض كما تقول “إنجين”.

وبالنسبة إلى الشركات التركية التي تتجاوز قروضها 221 مليار دولار، فإن هذا الرقم معرض للزيادة بمقدار 160% على أساس سعر الليرة منذ أبريل 2018، حتى أندية كرة القدم ستواجه صعوبة في الحصول على رواتبها باليورو، إذ ارتفعت تكاليف الأجور بنسبة 60% خلال شهور.

في نهاية يوليو 2018، قام صندوق الائتمان الحكومي بإقراض 514172 شركة صغيرة ومتوسطة الحجم بمبلغ 29.8 مليار ليرة تركية (62.2 مليار دولار) وذلك بغرض الحفاظ على قدراتها المالية.

 

المشاحنات الدبلوماسية وشبح العقوبات

أدى الخلاف المستمر بين أردوغان وإدارة ترمب، إلى تنامي إضعاف ثقة المستثمرين، وقد تزايد هذا الخلاف بعد أن زعم أردوغان أن واشنطن ساندت محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016.

ويتوقع أن يقوم البيت الأبيض بفرض المزيد من العقوبات على الاقتصاد التركي، ورغم أن تركيا لديها احتياطات مالية تكفي لثلاثة أشهر أو حتى نهاية العام، فإن الأمر لا يزال يثير القلق والمخاوف من قدرة الاقتصاد التركي على الصمود في هذه الأزمة.

ورغم تدخل قطر لمساعدة أنقرة، فإن وضعها الصعب بسبب مقاطعة الدول الخليجية لها، يضعف تأثير تلك المساعدة مهما كانت المليارات التي تقدمها الدوحة لأنقرة، وعليه فإن أي قروض لتغطية الديون ستصبح حلولاً قصيرة الأجل.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: Middle East Eye

 

 

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر