“آبي” يجد نفسه على هامش الرؤية الكورية الشمالية

التاريخ والوقت : الأحد, 7 أكتوبر 2018

سيمون دينير

 

في الوقت الذي يعمل فيه الزعيم الكوري الشمالي، كيم يونغ أون، عبر القنوات الدبلوماسية بين سيول وواشنطن، يجد زعيم آسيوي آخر نفسه في حالة من البرود. فقد أعرب رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، مرارًا عزمه لقاء “كيم” والعمل على تجاوز أزمة انعدام الثقة المتبادل. فحتى الآن لا يوجد شيء يلوح في الأفق. وبخلاف ذلك، أصبحت الدعاية الكورية الشمالية لينة تجاه الولايات المتحدة هذا العام. لكنها صعَّدت لهجتها تجاه تشويه سمعة اليابان؛ فلم تدخر جهدًا لتذكير مواطنيها بمعاناة كوريا تحت الحكم الاستعماري الياباني خلال العقود التي سبقت الحرب العالمية الثانية. كما تقول وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية، إن اليابان ليست أقل من “مجرم حرب شنيع”، يسكنها “برابرة “، ويقودها “عصابة فاسدة” لم تقم إلا بالأفعال الشريرة منذ توليها السلطة.

هنا يثار التساؤل حول ما إذا كانت كل تلك العوامل مهمة أم لا. ففي المجمل كانت كوريا الشمالية، قد أمطرت الولايات المتحدة بوابل من الدعاية المماثلة لعقود من الزمان. لكن حركة الأحداث المتسارعة هذا العام كشفت عن الوضع البائس لليابان، حيث توقفت كافة الصفقات الممكنة، فضلاً عن تشكيل نمط جديد للعلاقات مع طوكيو.

الأمر الذي ينطوي على خطر حقيقي، يكمن في أن اليابان تتراجع في عهد “آبي”، فقد اتخذت وسائل الإعلام اليابانية خطًا مشابهًا هذا العام، حيث ردت بهدوء على المخاوف التي انتشرت في أعقاب القمة التي جمعت بين “كيم” ونظيره الكوري الجنوبي “مون جاي إن”. فقد رسمت صحيفة “نيكي” الاقتصادية الشهيرة، السيناريو “الأسوأ” الذي تتخلى فيه كوريا الشمالية عن صواريخها الباليستية العابرة للقارات، لكنها تحتفظ فقط بالصواريخ التي يمكن أن تستهدف اليابان. فالتعاون بين اليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، أمر ضروري، على وفق ما أوردت الصحيفة الشهيرة. فقد وقفت اليابان، العام الماضي، جنبًا إلى جنب مع واشنطن في الإصرار على ممارسة أقصى الضغوط على كوريا الشمالية حتى تتخلى “بيونغ يانغ” عن برنامجها النووي.

واليوم، فبعد ممارسة ذلك “الحد الأقصى” من الضغوط، فإن البرنامج النووي لـ”بيونغ يانغ”، لم يتفكك إلا بعد أن خففت الصين وروسيا من ضغوط العقوبات، وكثفتا المحادثات مع كوريا الجنوبية بشأن التعاون الاقتصادي مع كوريا الشمالية. لذلك، فعندما حذَّر وزير الخارجية الياباني “تارو كونو”، أخيرًا من رفع العقوبات قبل نزع الأسلحة لدى كوريا الشمالية بالكامل، ردَّت “بيونغ يانغ” بازدراء؛ فقد سخرت طوكيو من محاولة الوقوف في وجه “الاتجاه العام”. وكتبت صحيفة “رودونغ سينمون” الرسمية في كوريا الشمالية، تقول: “لقد تركت وحدها في المنطقة، ذلك أنها بلد السياسيين الخنازير الذين يتعاملون بشكل غير طبيعي مع الأشياء والظواهر والأفكار فيما ينطوي على مفارقة تاريخية وسلوك غبي وغير لائق”. وأضافت الصحيفة: “ستترك اليابان وحدها إلى الأبد كدولة همجية إذا ما تصرفت مثل دون كيشوت”. لقد قامت كوريا الشمالية ببناء نظام من الخوف على أساس فكرة أن الغزو الأميركي وشيك، وأن أخبارها التلفزيونية تنتهز كل فرصة لتذكير المشاهدين بالفظائع الوحشية التي تقول إن الجيش الأميركي ارتكبها خلال الحرب الكورية، حتى استعد “كيم” للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في سنغافورة يونيو الماضي.

لقد تلاشت الدعاية المعادية لأميركا إلى حدٍ بعيدٍ في الإعلام الحكومي والإخباري في كوريا الشمالية، ولم يعد يوصف ترمب بأنه “مختل عقليًا”، و”المتخلف”. وبدلاً من ذلك أخذت اليابان تبدو في صورة “العدو الأول”. لقد استقر ترمب و”آبي”، لكن ليس على الاستراتيجية الخاصة بكوريا الشمالية، وهو ما يرجع جزئيًا إلى الحاجة لكبش فداء لقاعدته القمعية، وفي هذه الحالة فإن اليابان هي المرشحة لذلك. فـ”بيونغ يانغ” ترى أن طوكيو بمثابة الدُمية في يد واشنطن، فلا تستحق أن يتم التعامل معها بجدية خلال تلك المرحلة من التفاوض، حتى وإن كانت تريد المزيد من الاستثمارات اليابانية. لكن ثمة سببًا آخر يجعل طوكيو تجد نفسها على الهامش، ألا وهو “قضية الاختطاف”، ففي السبعينيات والثمانينيات، قام عملاء كوريون شماليون باختطاف عدد من المواطنين اليابانيين وتمَّ نقلهم إلى كوريا الشمالية، وذلك بغرض تعليم الجواسيس اللغة والثقافة اليابانية، وهي القضية التي أثارت الرأي العام منذ ذلك الحين. كما أنها مثلت قضية مهمة للسياسيين من الاتجاه المحافظ، الذين ما زالوا يرتدون شارات من الشريط الأزرق للتضامن مع الأسر المتضررة، ومن بين هؤلاء “آبي” الذي ربَّما مثلت تلك القضية أحد الأسباب التي ساعدته في الوصول للسلطة. ففي عام 2000، سافر “جونيشيرو كويزومي”، رئيس الوزراء الياباني في ذلك الحين، إلى “بيونغ يانغ” وتمكَّن من إطلاق سراح خمسة من المختطفين. وحاليًا تقول اليابان إن نحو 12 آخرين ما زالوا مفقودين، ولا تزال كوريا الشمالية ترفض تأكيد ما إذا كانوا على قيد الحياة، وأن القضية قد أغلقت منذ 2002.

وتُعدُّ قضية “المختطفين” مسألة غاية في الحساسية، بل إنها ربَّما تعوق إمكانية عقد لقاء يجمع رئيس الوزراء الياباني بنظيره الكوري الشمالي، كما تقول “جيني تاون” المتخصصة في الشؤون الكورية بمركز “ستيمسون” بواشنطن، فمن المستبعد أن يتم اللقاء بينهما إلا إذا كانت هناك دلالة قوية على استعداد كوريا الشمالية إعادة فتح ملف المختطفين بشكل جاد. وفي غضون ذلك، تجد اليابان نفسها في قائمة البدلاء الذين يستبعد الاعتماد عليهم في المدى المنظور لدى الدبلوماسية الكورية الشمالية. ويقول “كريس هيوز”، أستاذ السياسة الدولية والدراسات اليابانية بجامعة “وارويك” في بريطانيا، إن “آبي وضع في مأزق يصعب التراجع عنه، فقد باتت الأمور سيئة جدًا، إذ لاتزال هناك حاجة ملحة لفتح ذلك الملف الذي لا يزال الرأي العام منشغلاً به، حيث تكتب الأمهات الثكالى رسائل حزينة إلى أبنائهن المفقودين منذ فترة طويلة، وهي الرسائل التي اعتادت صحيفة “سانكوي شيمبون” على نشرها. ومع ذلك، فمن المرجح أن تجرى المفاوضات خلف الكواليس. كما أشارت صحيفة “واشنطن بوست” إلى اجتماع سري بين مسؤولين يابانيين وكوريين شماليين بفيتنام في يوليو الماضي.

ولا يستبعد المراقبون إمكانية إحداث تقدم في هذا الملف. حيث تشير “شيلا سميث”، الزميلة الباحثة في الدراسات اليابانية والزميلة بمجلس العلاقات الخارجية، إلى أن “كيم” اتصل بـ”آبي” عام 2014 بشأن قضية “المختطفين”، وكشفت عن تعثر في تلك المبادرة، لكن لا تزال هناك إمكانية لإحيائها. كما يقول “هيتوشي تاناكا” الذي قاد مفاوضات سرية مع “بيونغ يانغ” خلال إدارة “كويزومي”، إنه من المستبعد أن تتمكن طوكيو من حل قضية المخطوفين بشكل مباشر. وبدلاً من ذلك، فإنها تحتاج لدعم الجهود التي تقوده الولايات المتحدة لإجبار كوريا الشمالية على نزع السلاح النووي – على حد تعبيره –  ثم إجراء تحقيق دقيق في قضية المخطوفين كجزء من صفقة أوسع تشمل الاستثمارات اليابانية. ولحل هذه الأزمة يقول “تاناكا”: “علينا أن نكون علميين جدًا، ويجب أن نكون هادئين”. ففي هذه الأثناء، يجد “آبي” نفسه في مكان صعب. حيث يرى “ناكانوا” من جامعة صوفيا، أن هذا خطؤه، ذلك أن استراتيجيته كانت تتلخص في التحالف الوثيق مع واشنطن، وتقديم نفسه كعميل مخلص في شمال شرق آسيا في مواجهة الصين وكوريا الشمالية. لكن عندما قرَّر ترمب تغيير تلك العلاقة، كان مخطئًا بشكل سيئ. ولا يزال “آبي” يعاني من عواقب استراتيجيته، إذ يحاول جعل نفسه ذا صلة مرة أخرى بالجغرافيا السياسية في شمال شرق آسيا.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: واشنطن بوست

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر